خيط أسود ! .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …
.
جاهداً بحث عن خيّاط ليرتق أزرار معطفه، لكن الخيّاط غائب ربما في استراحة ما، كما غيره الذي أرخى غلق محله وذهب، وربما سيعود بعد قليل، تغير الطلب أصبح في حاجة ملحة للبحث عن خيط أسود ليقوم بنفسه بخياطة أزار المعطف، عبثاً كان بحثه عن الخيط الأسود، والعجيب أنه وجد أكثر من خيط أبيض لن ينقذه في مهمته، فظلت الأزرار متجهمة وحيدة تشكو عزلتها، وظل المعطف حاسر العين خجل من شيء حسب أنه يسد رمقه بلقيمات الأزرار.
لعل حكاية الأزرار والمعطف والبحث المضني عن الخيط الأسود بدلاً من الخيط الأبيض، هي الحكاية ذاتها التي يبحث الشغف عنها لاكتمال في دورة النص الإبداعي أو مروية حياتية، أو انفكاك في أزمة، أو توسل لحل معضلة بعينها، وربما بدت المعادلة مقلوبة لأن البحث في أصله سيكون بحثاً عن الخيط الأبيض، ومن المفارقة بمكان أن يكون البحث عن الخيط الأسود لأن، هذا الخيط موجود بالضرورة ونقيضه هو الغائب، والذي ينبغي عودته لتكتمل المعادلة وتتضح فصولها.
من يرتق إذن جرحاً في خاصرة قصيدة، أو انهيار في جدار رواية، أو تلعثم لحن صباحي سريع، هو الخيط الأسود الذي لا برء من وجوده ليكون نقيضه اكتمال في رؤية، أو في مشهد بعينه، إذ يكون النقص هو الضروري للاكتمال، فالكتابة برمتها هي بحث عن ذلك النقص الموغل في الكلام والكتابة، بصرف النظر عن احتياجات أخرى قد تبدو ضرورية لكنها مؤجلة.
في كثافة الخيوط وبعثرة ألوانها، لا يحل الشبيه محل أحد إنما خيط بعينه ليدور مغزل الحكاية وتقوم متوالياته على نسج السيرة، تلك السيرة والتي تبدو كأنها مستعادة، حكايات الواقع باقتصاد في الخيال، وحكايات الخيال باقتصادها من الواقع، وماذا لو تماهى الخيال بالواقع كما يحدث الآن، فكيف نبرء الخيال من نضارته، وكيف يظل الواقع هو الواقع بذاته لا شيء غيره.
خيط أسود لعله في وجه آخر هو الخيط الأبيض، وفي ذلك التبادل المقصود للأدوار تظل جراح الحكاية نازفة بيومياتها كمجاز لا ينتهي، وكدلالة تتحرك ببطء وكأن عينه نصف مفتوحة والأخرى حل التثاؤب عليها، أما المعطف فكم تحاول الأزمنة الخروج منه كما إبداع يخرج من معطف إلى آخر، ولا شيء سوى معطف لم تعد الحاجة للخروج منه معضلة، سواء عثرنا على الخيط الأسود أو الأبيض أو الخيوط الملونة، لنرتق جرحاً تحت المعطف خفياً لا يُرى لكنه يُسمع، جرح توزع بقدر محسوب على محكيات ونصوص ومرويات وشذرات يومية وتندرات عاجلة وكلام صمت تجيده الحكايات الأخرى المنتظرة أزمانها، حتى يستوي القول أن زمن الابداع يعود بكل إرهاصاته من جديد متوسلاً جمرته، ورحلاته دونما عدد محدد لها.
وعلى المبدع أن يبتدئ فحسب ذلك هو خيطه الذي تلونه الأقدار، وذلك هو معطف حكاياته التي سيبني لها كل عوالمه الطليقة ليصنعها بسحر أو بشغف أو بمكابدة ضرورية، أو بتوتر داخلي، ليس القصد منه ضجيج المعنى ذلك ما يرهق سردياته ويجعل منها احتفاء بالصخب فحسب، بل ليكون معطفه صنو أزمنته التي لا تشبه إلا ذاتها، لكنها محمّلة بنشيج روحه التي سوف تتعدد إلى حيوات عاشها ولم يعشها، وفي ذلك مأثرة لا تتكرر هي أن يعيش المبدع أكثر من حياة في نصوص متواترة بانعقاد خيوطها، ويبقى خيطها الأسود هو مجاز ضروري لاكتشاف النقيض وربما العكس بالعكس حتى تصح الحكاية في مطلق سردها، فأن تُضيف إلى مالا يُرف فهي تتخلّق من جديد لتدحض سوء فهم ضروري سيكون ناجماً بالضرورة عن تلك العلاقة الأزلية ما بين الأصابع والأوراق، وكيف يُستعاد زمن الدهشة التي تُحيل أصابع الكتابة إلى حفر في أرض الكلام احتفاء بما يمكث فيه وليس العابر على حوافه!.



