إعلام - نيوميديا

حسين عبد العزيز – عن البنى تحت مركزية في سوريا

|| Midline-news || – الوسط  ..

سرعان ما يأخذ الصراع المجتمعي في بلدان ما قبل الحداثة صيغة الصراع العامودي، خصوصا في البلدان التي تتكون من فسيفساء اجتماعية متعددة، فيتداخل ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي وديني وطائفي وإثني، الأمر الذي يؤثر سلبا على نشوء حركة وطنية جامعة تتجاوز البنى المغرقة في المحلية.

كان لعنف النظام في بداية الثورة دور رئيس أيضا في دفع القوى المجتمعية نحو الانضواء والتقهقر ضمن منظوماتها الاجتماعية الضيقة، هكذا وجدت هذه القوى نفسها متجهة بوعي أو بدون وعي نحو تكريس الهويات الفرعية، وإن اتخذ هذا التكريس أشكالا متباينة، فتغلبت البنى الطائفية على البنى العشائرية في مناطق معينة، وتغلبت البنى العشائرية على البنى الطائفية في مناطق أخرى، فيما تواجدت صيغة متعددة الأشكال في الظاهر، لكن جوهرها يتمحور حول الهيمنة الطائفية والإثنية، كما هو الحال في مناطق النظام ومناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”.

تشكلت في سوريا خلال السنوات الماضية سلطات محلية متباينة، بعضها حل محل سلطة الدولة ومؤسساتها في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وبعضها الآخر حل محل الوسطاء والوجهاء التقليديين في مناطق سلطة النظام.

يمكن تقسيم هذه السلطات إلى ثلاثة أقسام تبعا للفضاءات الجغرافية:

في مناطق المعارضة تم القضاء على الوسطاء التقليديين، سواء أولئك التابعين مباشرة للنظام (منظومة البعث)، أو أولئك المستقلين من ذوي العائلات الكبيرة أو الشخصيات ذات المكانة الدينية أو العشائرية أو الاقتصادية.

نشأ وسطاء جدد بديلا عن ذلك، حصلوا على مكانتهم من توسطهم بين مناطقهم والمانحين الخارجيين، فاستحصلوا على مكانة ونفوذ كبيرين، ثم ما لبث في طور ثان أن بدأت قيادات المعارضة المسلحة بتشكيل هيئات اجتماعية لترتيب متطلبات الحياة، مستفيدة من بعض الوجهاء التقليديين ممن ظلوا مع المعارضة.

لكن كثرة القوى العسكرية أدت إلى تعدد السلطات، الأمر الذي حال دون نشوء سلطة متماسكة ذات تراتبية واضحة، فاتخذت هذه السلطات صيغة مغرقة في المحلية، وساهم استمرار العمليات العسكرية في تعزيز هذه الطبيعة المحلية، وهذه من أحد أسباب فشل الحكومة المؤقتة، حيث عجزت عن اختراق هذه السلطات.

ومع الاستقرار العسكري النسبي، بدأت مرحلة أخرى تمثلت بنشوء مجالس للشورى ومجالس تنفيذية لإدارة شؤون الحياة، إلا أن أهم تجربة حصلت في مجال المعارضة الجغرافي هو انطلاق فضاء الحرية، فنشأ مجتمع مدني جديد وحيوي، سمح لكثير من منظمات المدنية من تكثيف حضورها، ورفع مستوى وعيها بأهمية المشاركة في الشيء العام.

وبالتعاون المشترك غير المنظم إداريا نجحت هذه السلطات وإن بدرجات مختلفة في تحقيق إنجازات إدارية وأمنية واقتصادية.

وهذه المنظمات والمؤسسات التي تزداد مع الوقت سيكون لها دورا هاما في عملية عدم مركزة القرار، وفي صناعة مجال اجتماعي يخترق مكامن الحلم للمجتمع الذي يعاد تكوينه.

تعتبر التجربة الكردية شمالي البلاد الأكثر تطورا في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بأذرعه المتعددة فرض سلطة حقيقية وقوية شبه متسلسلة ومتقاسمة المسؤوليات، لكنها لم تستطع تغطية كافة مناحي الحياة، فأبقت على بعض سلطات النظام في مناطقها كما هو الحال في محافظة الحسكة.

ومع أن الوحدات الكردية حافظت على البنى الاجتماعية ـ السياسية للمحليات، أي على البنى العشائرية ـ القبلية، إلا أنها لم تدخلها في نسيج سلطاتها، وهكذا جاءت شبكاتها المحلية على حساب المكون العربي، كما حدث في تل أبيض ومنبج وغيرهما.

لكن الهيمنة المطلقة لـ”الإدارة الذاتية الكردية” على العمل العام حالت دون نشوء منظمات مجتمع مدني كثيرة وفاعلة كما هو الحال لدى المعارضة.

وبغض النظر عن التباين الحاصل في تجربتي مناطق المعارضة ومناطق الهيمنة الكردية، فإن التجربتين أدتا إلى نشوء شبكات محلية جديدة نقوم على أسس مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبل عام 2011، حيث كانت الشبكات المحلية آنذاك أداة بيد النظام بشكل مباشر أو غير مباشر، وظلت أداة خلفية تعيد إنتاج سلطة النظام بشكل أو بآخر.

في مناطق سيطرة النظام تم استبدال الوجهاء التقليديين بوسطاء جدد فرضتهم طبيعة المرحلة، فنشأت مجموعات مسلحة قائمة على الضبط والإكراه، ووصل الأمر في بعض المناطق إلى أن أصبحت ذات سلطة فعلية على الأرض، وتستحصل مكتسباتها المادية بأساليبها الخاصة.

في هذه المناطق انعدم الفضاء العام بالكامل، فلا منظمات مدنية ولا لحرية الرأي، وتحول الشأن العام إلى شأن خاص يتبع ملكية النظام، وليس أمام السكان سوى البحث عن خياراتهم المعيشية.

المصدر : عربي 21
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
أهم الأخبار ..
بعد 3 سنوات من اختطافه.. جائزة فولتير تذهب لكاتب عراقي موسكو: الرئيسان الروسي والصيني قررا تحديد الخطوط الاستراتيجية لتعزيز التعاون الجمهوري رون ديسانتيس يعلن ترشحه للرئاسة الأميركية للعام 2024 الأربعاء البيت الأبيض يستبعد اللجوء إلى الدستور لتجاوز أزمة سقف الدين قصف متفرق مع تراجع حدة المعارك في السودان بعد سريان الهدنة محكمة تونسية تسقط دعوى ضدّ طالبين انتقدا الشرطة في أغنية ساخرة موسكو تعترض طائرتين حربيتين أميركيتين فوق البلطيق قرار فرنسي مطلع تموز بشأن قانونية حجز أملاك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بطولة إسبانيا.. ريال سوسييداد يقترب من العودة إلى دوري الأبطال بعد 10 سنوات نحو مئة نائب أوروبي ومشرع أميركي يدعون لسحب تعيين رئيس كوب28 بولندا تشرع في تدريب الطيارين الأوكرانيين على مقاتلات إف-16 ألمانيا تصدر مذكرة توقيف بحق حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة الانتخابات الرئاسية التركية.. سنان أوغان يعلن تأييد أردوغان في الدورة الثانية أوكرانيا: زيلينسكي يؤكد خسارة باخموت ويقول "لم يتبق شيء" الرئيس الأميركي جو بايدن يعلن من اليابان عن حزمة أسلحة أميركية جديدة وذخائر إلى كييف طرفا الصراع في السودان يتفقان على هدنة لأسبوع قابلة للتمديد قائد فاغنر يعلن السيطرة على باخموت وأوكرانيا تؤكد استمرار المعارك اختتام أعمال القمة العربية باعتماد بيان جدة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود: نرحب بعودة سورية الشقيقة إلى الجامعة العربية لتمارس دورها التاريخي في مختلف القضايا العربية رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله: نرحب بعودة سورية الشقيقة إلى الحضن العربي معتبرين ذلك خطوة هامة نحو تعزيز التعاون العربي المشترك، ونثمن الجهود العربية التي بذلت بهذا الخصوص الرئيس الأسد: أشكر خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد على الدور الكبير الذي قامت به السعودية وجهودها المكثفة التي بذلتها لتعزيز المصالحة في منطقتنا ولنجاح هذه القمة الرئيس الأسد: أتوجه بالشكر العميق لرؤساء الوفود الذين رحبوا بوجودنا في القمة وعودة سورية إلى الجامعة العربية الرئيس الأسد: العناوين كثيرة لا تتسع لها كلمات ولا تكفيها قمم، لا تبدأ عند جرائم الكيان الصهيوني المنبوذ عربياً ضد الشعب الفلسطيني المقاوم ولا تنتهي عند الخطر العثماني ولا تنفصل عن تحدي التنمية كأولوية قصوى لمجتمعاتنا النامية، هنا يأتي دور الجامعة العربية لمناقشة القضايا المختلفة ومعالجتها شرط تطوير منظومة عملها الرئيس الأسد: علينا أن نبحث عن العناوين الكبرى التي تهدد مستقبلنا وتنتج أزماتنا كي لا نغرق ونغرق الأجيال القادمة بمعالجة النتائج لا الأسباب الرئيس الأسد: من أين يبدأ المرء حديثه والأخطار لم تعد محدقة بل محققة، يبدأ من الأمل الدافع للإنجاز والعمل السيد الرئيس بشار الأسد يلقي كلمة سورية في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة الرئيس سعيد: نحمد الله على عودة الجمهورية العربية السورية إلى جامعة الدول العربية بعد أن تم إحباط المؤامرات التي تهدف إلى تقسيمها وتفتيتها الرئيس التونسي قيس سعيد: أشقاؤنا في فلسطين يقدمون كل يوم جحافل الشهداء والجرحى للتحرر من نير الاحتلال الصهيوني البغيض، فضلاً عن آلاف اللاجئين الذين لا يزالون يعيشون في المخيمات، وآن للإنسانية جمعاء أن تضع حداً لهذه المظلمة الرئيس الغزواني: أشيد بعودة سورية الشقيقة إلى الحضن العربي آملاً لها أن تستعيد دورها المحوري والتاريخي في تعزيز العمل العربي المشترك، كما أرحب بأخي صاحب الفخامة الرئيس بشار الأسد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني: ما يشهده العالم من أزمات ومتغيرات يؤكد الحاجة الماسة إلى رص الصفوف وتجاوز الخلافات وتقوية العمل العربي المشترك