حروب لا شأن لي بها .. عباس ثائر

|| Midline-news || – الوسط …
.
“هاي زوادّة لعبد السادة طلّق مرّته وعاف اولاده”
ردد أبو زيد هذه العبارة وهو يغمز لنا: أن انزلوا من الأرجوحة؛ فهذه هي الهزة الأخيرة لكم. الأرجوحة كانت بسلاسل صدئة، وقوام قديم، ومقعد خشبي متهالك، يدفعها أبو زيد بيده، بقوة فنحلق عاليًا؛ نكاد نلامس الغيوم.. كان عصيًا علينا أن نغلق أفواهنا، جراء الضحك فرحًا أو الصياح خوفًا من أن نسقط، هكذا كنا نُهز ونُدفع ونحن نستقلها. طابور طويل نقف فيه لنأخذ دورنا في الصعود إلى تلك المركبة العظيمة، فإذا ما لعبنا و أراد أحدنا أن يبقى في لعبه، أي أنّه يجدد دورته، عليه أن يدفع مبلغًا آخر لقاء بقاءه..
كانت بلادنا لفرط الجوع تضع يداها على بطنها! أتذكر تلك الأيام بسوادها، وحصارها المر وأعيادها البريئة المخيفة، كنا -الأطفال- لا نجد ما نلبي به رغباتنا الطفولية، سوى تلك الأشياء البسيطة التي يصنعها أصحابها، فقد كانت أرجوحة أبي زيد مثالًا على تلك الرغبات الصغيرة والأيام الهادئة المخيفة. الأرجوحة التي يحفظ ملامحها وملامح صاحبها من هم بعمري، ومن هم أكبر سنًا مني، وحتى الذين يصغروني بخمس سنوات أو أكثر يحفظون تلك التفاصيل.
أنا الطفل الذي جوعّته وأهله وجاره ومعارفه حروب لا شأن لي ولنا ولهم بها! كنا نجمع ما يمكن أن نجمعه من “العيديات” لنذهب فرحين بها إلى “شارع أربعين- الشارع الذي يتوسط مدينة الرفاعي” حيث الألعاب البسيطة، والتي كانت لا تفتح سوى في الأعياد. بعدها يعود المكان مستغلًا من قبل أصحاب بسطات البقالة.
كانت الألعاب رديئة وبالية ولابد أن يسخرَ منها من يراها لأول مرة من سكان المدن الأخرى. كان على ذقنه لحية بيضاء كما لو أنها فرو أرنب، رأسه أبيض، كالثلج إلاّ أنه كان طوال الوقت حارًا ويغلي الدم فيه رغم هدوءه الذي يمد رأسه في صوته، رأسه كان أبيض حقًا إلاّ أنه لا يشبه الاستسلام، ربما؛ السلام نعم. وكان يرتدي “دشداشة” بيضاء. ذلك ماكان عليه صاحب الأرجوحة الأشهر في قضاء الرفاعي عند الأطفال. الآن قاربت 28 عامًا، و كلما مررت في الشارع الذي كانت فيه الأرجوحة الصديقة لطفولتنا، أتذكر كيف كنت طفلاً وأنتظر العيد أنا وأصدقائي كي نستقلها.
كان عمري 28 عامًا حينما كتبت هذا المقال، الآن صار عمري 30 عامًا ومازلت أتذكر تلك الأرجوحة، وأعود طفلًا كلما مررت بذلك الشارع.
.



