إعلام - نيوميديا

حرب تشرين: دروسها وبداهاتها المستعادة

عقيل سعيد محفوض

مثلت حرب تشرين لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، بالنظر إلى ما وعدت به عربياً، وكان كبيراً، وما أحدثته لدى الإسرائيليين، وكان كبيراً أيضاً.

بعد عقود من الاختراق والإجهاد والفشل، كان الاعتقاد أن العرب، المأزومين في كل شيء تقريباً، لا يمكنهم أن يقوموا بحرب ضد إسرائيل. صحيح أن العداء لإسرائيل كان واضحاً وقوياً، إلا أن تحويله إلى فعل سياسي-عسكري كان دونه صعوبات كبيرة. ومن هنا كانت الصدمة أو المفاجأة لدى الإسرائيليين، وحتى لدى العرب أنفسهم، من إعلان الحرب، فقد كان ذلك من الأمور التي يستحيل التفكير فيها وخاصة بعد صدمة حرب حزيران/يونيو 1967.

أخبرني قائد القوات الخاصة التي كانت عماد الجبهة السورية في حرب تشرين، أن “جيوشنا لا ينقصها الرجال ولا الإرادة، وقد تمكنت من تحقيق انتصارات كبيرة في بداية الحرب”. وكسرت الحرب بالفعل أساطير عديدة، ليس أسطورة “العدو الذي لا يُقهر” فقط، وإنما أسطورة أن العرب غير قادرين على خوض حرب، وأنهم “ظاهرة صوتية”، وأمة “أقوال لا أفعال”، وأن الاختراق الغربي والعالمي للمنطقة وضع حدوداً وسقوفاً للسياسات فيها، بما في ذلك الحروب، ولن يسمح للعرب وغيرهم أن يفعلوا شيئاً ضد إسرائيل.

تكشف كتابات قادة إسرائيل آنذاك عن حجم التأثير الذي وقع على الكيان في بدايات الحرب، فقد كتبت غولدا مائير  في مذكراتها قائلة: “لا شيء أقسى على نفسي من كتابة ما حدث في أكتوبر، فلم يكن ذلك حدثًا رهيبًا فقط وإنما كان مأساة عاشت وسوف تعيش معي حتى الموت، فلقدت وجدت نفسي فجأة أمام أعظم تهديد تعرضت له إسرائيل منذ نشأتها ولم تكن الصدمة فقط في الطريقة التي يحاربوننا بها، ولكن أيضًا لأن عددًا من المعتقدات الأساسية قد انهارت أمامنا”. ومن الهام التركيز على العبارة الأخيرة في كلام مائير.

لكن هل رأى العربُ حربَ تشرين كذلك؟ ربما، فقد أخبرني أحد قادة الجيش السوري في تلك الحرب، وكان على رأس القوة التي احتلت الموقع الحصين الذي أقامه الإسرائيليون على قمة جبل الشيخ المحتل، “أن الجيش السوري كان قادراً، ولكن السياسة هي التي أفسدت الأمور”.

لعل أهم إنجازات الحرب لا يكمن في بعدها العسكري، على أهميته، ولا في بعدها السياسي الذي تم إجهاضه سريعاً عندما غادرها أنور السادات قائلاً انه أرادها “حرب تحريك” من أجل التسوية، وليس “حرب تحرير”، وذهب إلى القدس المحتلة وكامب ديفيد من أجل توقيع صلح منفرد مع إسرائيل، تاركاً جيش سوريا في حرب استنزاف طويلة؛ الانجاز الذي نتحدث عنه هو أن الحرب انطلقت من “بداهة” أن الصراع الرئيس في المنطقة، هو الصراع مع إسرائيل، وهو ما أكدته وكثفته بعد عدة عقود حرب تموز/يوليو 2006 بين حزب الله وإسرائيل.

المفارقة أنه في كل عام تصدر في إسرائيل كتب وأبحاث جديدة عن الحرب ودروسها واستخلاصاتها، وتقرأ مراجعات وتصويبات مستمرة لدى الإسرائيليين، ولا تجد مثل ذلك لدى العرب، بل ثمة صعوبة في العثور على كتب ودراسات عربية مُعتبرة عن الحرب، وكان يفترض العكس، أي أن يميل الإسرائيليون

لـ “السكوت” عنها أو أن يكتبوا في تبريرها، فيما يميل العرب لـ “المبالغة” في الحديث عنها وفي إبراز دروسها. والمفارقة أيضاً هي أنك لا تجد لدى العرب سردية كاملة، رسمية أو غير رسمية للحرب، وهذا من الأمور التي يجب التدقيق فيها.

غير أن نقطة القوة في الحرب كانت هي نفسها نقطة التهديد أو الخطر، إذ ان تجربة الحرب نبهت إسرائيل وحلفائها إلى ضرورة “احتواء” أي إمكانية لقيام أي حرب أخرى ضدها، ويمكن وضع الكثير من الصراعات والنزاعات الداخلية والبينية في هذا السياق، أي خلق حروب بديلة تشغل المنطقة عما يجب أن تنشغل به حقاً، وهو -كما ذكرنا- البداهة الأساسية للصراع فيها بين العرب وإسرائيل.

مع الانزياح –قُل الاختلال- في المدارك والسياسات، وإحلال مقولات “البوابة الشرقية”، والحروب العربية-العربية، وصولاً إلى “حلف الاعتدال” مقابل “حلف المقاومة”، و”مذهبة” السياسات الإقليمية و”تطييفها” أو”سعودتها”، وبروز تحالفات بين السعودية وإسرائيل ضد إيران وحلف المقاومة الخ بدت المنطقة كما لو أن حرب تشرين لم تقع!

وفي الوقت الذي نقرأ فيه اليوم تجربة حرب تشرين، نقرأ بالمقابل أن عملاء المعارضة المسلحة في سورية سرقوا مقاطع إعدام الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين في دمشق وأهدوه لإسرائيل، وذهبوا للاستشفاء في مشافيها، وتلقوا أسلحة ودعماً متعدد الأشكال منها، وقالوا أن حربهم ليست ولن تكون معها.

عندما نتحدث عن حرب تشرين وإنجازاتها الكبيرة، لا يكفي أن نتذكر، ولا أن نُراجع الأرشيف، ولا أن نُقارِبَ اللحظة الراهنة بمثال أو منوال سابق، وإنما يجب الانتقال من ايديولوجيا الحرب إلى معرفة الحرب، أو من خطاب الحرب إلى ابستمولوجيا الحرب، إذا صح التعبير، وذلك من خلال ديناميتين متوازيتين، الأولى هي التدقيق في المنطق العميق للحرب، وتقصي “المسافة” أو “الفجوة” بين نقطة الانطلاق ونقطة التوقف فيها، ولماذا لم تنته إلى ما قامت من أجله؟ والثاني هو المقارنة بين لحظتين تاريخيتين هما لحظة الحرب عام 1973-1974، واللحظة الراهنة اليوم، والسؤال لماذا يتم “التنكر” للحرب و”الإخفاق” في استخلاص الدروس والعبر منها، ولماذا لم تعُد إسرائيل هي الخصم أو العدو من منظور طيف متزايدة من فواعل السياسة في المنطقة، بل أصبحت معاداة إسرائيل تهمة؟!

معنى حرب تشرين “لا يفسره ما بعده”، وإلا فإن ذلك “يُثَبِّتُ” ما حاولت إسرائيل وحلفاؤها القيام به، وهو أن الحرب كانت قراراً خاطئاً أو مغامرة، هذا ما يحاوله أيضاً حلفاؤها الجدد المتورطون في الأزمة السورية. وقد قال السيد حسن نصر الله في ذكرى حرب تموز، أن السعودية “هي التي قتلتنا في حرب تموز”، وشدد على أنه “لا ينبغي أن نغفل أن عدونا هو الإسرائيلي”، رغم أن “الخطر الوجودي في المنطقة هو الخطر الوهابي”.

يُفترض أن تُركِّز  قراءة حرب تشرين على مدارك اسرائيل وتقديراتها، ذلك أن الخوف الذي أثارته الحرب لديها كان عميقاً وخطيراً، ولا يمكنها أن تغفل عنه. وعلينا النظر للحرب وفق ما وعدت به، أي وفق دلالاتها البدئية، لا وفق ما انتهت إليه، أو ما أعقبها، ذلك أن إكراهات السياق (الإقليمي والدولي) كانت قوية وقاهرة. وهذا يمكن أن ينسحب -في جانب منه- على تجارب الصراع العسكري والسياسي الأخرى مع إسرائيل، وخاصة تجارب المقاومة الوطنية واليسارية ثم مقاومة حزب الله في لبنان وصولاً إلى تحرير الجنوب عام 2000 ومن ثم حرب تموز 2006، وانتهاء بتجاذبات الحرب في سورية وتورط إسرائيل فيها.

كان الأمل أن يكون قرار حرب تشرين ثمرة لتوافقات ووعي بأهمية وأولوية ما قامت من أجله، وأن تكون الحرب بذرة ولحظة تأسيس لما بعدها، ولكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفاً، وذلك لا يقطع مع بداهة أن الصراع الرئيس في المنطقة هو مع إسرائيل، بل يؤكدها ويعززها، من دون التقليل من تأثير مصادر التهديد الأخرى. وقد كشفت الأزمة في سورية عما كان مخبوءاً أو مستتراً من رهانات إسرائيلية خلال عدة عقود، وكشفت بالقدر نفسه عن أن انخراط فواعل المقاومة في الدفاع عن سورية هو استعادة نشطة لـ “البداهات العميقة” لحرب تشرين نفسها.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
أهم الأخبار ..
الملك سلمان... يقيل محافظ البنك المركزي السعودي.. ويعيين "أيمن بن محمد بن سعود السياري" محافظا جديداً بمرتبة وزير.. مصرف سوريا المركزي... يحدد سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي بـ6650 ليرة.. لافروف: الغرب يتطلع الآن لتكون مولدوفا "أوكرانيا التالية.. ورئيستها مايا ساندو مستعدة لأي شيء تقريبًا.. سوريا: إصابة 6 عناصر من قوى الأمن الداخلي جراء اعتداء إرهابي بعبوتين ناسفتين استهدف دوريتهم على طريق المزيريب- اليادودة بريف درعا.. "الطاقة الدولية": إيران تخصّب اليورانيوم بنسبة 60% في منشأة "فوردو" النووية.. منظومة "القبة الحديدية" تعترض صاروخا تم إطلاقه من قطاع غزة.. وبن غفير يطلب اجتماعاً عاجلاً "للكابينت".. قصف صاروخي على قاعدة "زليكان" التي تضم قوات تركية شمالي العراق.. المبعوث الفرنسي لشؤون الدعم الدولي "بيير دوكين".. العقوبات على سوريا تعطل خطة مصرية لدعم الكهرباء في لبنان.. قمة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي في كييف الجمعة المقبلة.. مصدر أوروبي مسؤول: قادة الاتحاد الأوروبي لن يقطعوا وعودا لأوكرانيا بقبول انضمامها السريع إلى الاتحاد.. "مارين لوبان" زعيمة فصيل التجمع الوطني اليميني في البرلمان الفرنسي: تورط الناتو في الصراع الأوكراني.. يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة.. الإمارات... تستعد لبدء تشغيل إحدى أكبر "المحطات الشمسية" في العالم.. 51 قتيلا عدد ضحايا غرق قارب يقل "تلاميذ مدرسة" في مياه سد بحيرة تاندا دام في باكستان.. "هيومن رايتس ووتش"... تتهم أوكرانيا باستخدام "ألغام محظورة" ضد القوات الروسية خلال معركة تحرير إيزيوم.. بايدن... سيستقبل الملك الأردني لإجراء محادثات بالبيت الأبيض يوم الخميس القادم.. جون كيربي: الولايات المتحدة أجرت مع أوكرانيا بعض الأبحاث للوقاية من الأوبئة.. وقامت بتعطيل أنشطتها.. قبل العملية الروسية العسكرية في أوكرانيا".. مسؤولان أميركيان... لرويترز: واشنطن تعد حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 2.2 مليار دولار "لأوكرانيا.. قد تشمل صواريخ طويلة المدى لأول مرة.. روسيا... تحبط محاولة القوات الأوكرانية عبور نهر دنيبر في خيرسون.. بوتين... يوجه حكومته بالتفاوض مع "بيلاروسيا" لإنشاء مراكز تدريب عسكرية مشتركة معها.. اتحاد العمال: 2.8 مليون فرنسي يحتجون على مشروع ماكرون لإصلاح نظام التقاعد.. و رئيسة الوزراء "إليزابيث بورن" رفع "سن التقاعد" غير قابل للتفاوض.. إصابة جنديين إسرائيليين في عملية دهس عند حاجز زعترة جنوبي نابلس.. قضى نتيجة تعرّضه لضرب مبرّح على أيدي شرطة ممفيس بولاية تنيسي.. "كامالا هاريس".. تعتزم حضور جنازة الشاب الأسود تاير نيكولز.. الرئيس التونسي... يمدد "حالة الطوارئ" في البلاد حتى نهاية 2023.. بريطانيا: روسيا استهدفت فوليدار‭ ‬وبافليفكا بأوكرانيا وتخطط لحصار دونيتسك.. قبرص... تختار رئيساً جديداً الأحد القادم.. وسط شك اقتصادي وانقسام عرقي.. خلال مؤتمر صحفي في القاهرة... لافروف رداً على بلينكن: الغرب يفضّل البصق على القرارات الدولية والتحول إلى العدوان.. فضيحة تهز بريطانيا.. تثبيت براغي غواصة نووية بالغراء.. الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدة بلاغوداتنويه في دونيتسك.. و"القوات الأوكرانية" تنسحب من خط الدفاع الأول في مقاطعة زابوروجيه.. مزارعو البن في بيرو... يعلنون الإضراب المفتوح مطالبين.. باستقالة الرئيسة "دينا بولوارتي".. و وضع دستور جديد وإغلاق الكونغرس.. باكستان: ارتفاع حصيلة ضحايا تفجير مسجد بيشاور إلى100 قتيل..