الديك الفصيحالعناوين الرئيسية

حتّى أنتَ يا زيوان !؟ .. غسان أديب المعلم ..

ما الذي يدفع السوريّ لاختيار الجحيم على البقاء في بلده؟.

 

لم يشهد التاريخ القديم أو المعاصر رغم مايحمله في طيّات كتبه من احتلالات وجيوش مرّت على سوريا، هجرة السوريين  أهل هذه البلاد أمام جحافل الغزاة، أو الفرار من سيوفهم، رغم كلّ أنواع الهمجيّة أو الاستعباد أو نهب موارد البلاد التي مارسها هؤلاء الغزاة.

ومع كلّ ممارسات هؤلاء مُجتمعين .. بقي السوريّون متشبّثون بأرضهم ووطنهم إلى حين دحر محتلٍّ من قبل محتلٍّ آخر، أو أن يقاوم السوريّون هذا الاحتلال.

أمّا في تاريخنا الحديث وصولاً لما قبل يوم أمس، فقد شهدت البلاد أكبر موجة هجرة مؤلمة في عددها وتفاصيلها في تاريخها..

فاندلاع الأزمة وما رافقها من الأعمال العسكريّة في مختلف أرجاء البلاد ساهم بموجة هجرة ونزوح لملايين السوريّين من بلادهم، سواءً عبر النزوح لدول الجوار، أو اللجوء إلى القارة الأوروبيّة بعد مجازفتهم بأرواحهم بالمضيّ بعرض البحر، وصولاً للهجرة عبر المطارات أو الحدود.

لكنّ الأمر لم يتوقّف بُعيد انتهاء العمليّات العسكريّة على نحوٍ واسع، وما رافقها من استقرار أمنيّ في الداخل السوري، فقبل أيام كان أحد زوارق الصيد البدائيّة على موعدٍ مع الغرق أمام السواحل اللبنانيّة وعلى متنه عشرات السوريّين الذين انتهى بهم المصير بين مفقودٍ وناجٍ..

وقبل هذه الحادثة لم تتوقّف نشرات الأخبار عن ذكر حوادث مشابهة تحدث بشكل أسبوعي، إن لم نقل يوميّ بدون مبالغة، حتى ضمن الأراضي أو السواحل السوريّة!

وكالعادة .. وكما قيل .. الوجهة هي أوروبا!

فما الذي يدفع هؤلاء السوريّين لاختيار هذه القارّة التي تشهد هذه الأيام حرباً بين بلدين، وترافقها شائعات بأن شرارة الحرب ستمتدّ إلى كامل أراضي القارة؟

ما الذي يدفع السوريّ لاختيار الجحيم على البقاء في بلده؟.

ما الذي يدفع الطبيب أو المهندس أو المعلّم أو الحرفيّ أو حتى الطالب الصغير في مُقتبل العُمر لأن يطلب من ذويه بيع “مافوقهم وتحتهم” لأجل شراء تذكرة طيران وفيزا لأي بلدٍ كان، ومهما كانت ظروف ذلك البلد؟.

بالتأكيد سيحضر الجواب عند الكثيرين بأن السبب الأول هو الوضع الاقتصادي الكارثيّ غير المسبوق الذي يخيّم على سوريا!، لكن في حقيقة الأمر وقياساً لما ورد في التاريخ، العامل الاقتصاديّ هو أحد الأسباب لكن ليس الوحيد، فقد رزحت البلاد تحت همجيّة المغول!، وتحت أقذر احتلال عرفه العالم وهو الاحتلال العثماني، الذي كان يسرق موارد البلاد طولاً وعرضاً تحت فتاوى مختلفة وصولاً لمبدأ “الخاوى”، بل أنهم كانوا يعطون الفلاحين فُتات الطعام بعد سرقة محاصيل أراضيهم، وفوق ذلك يأخذون أبناءهم  للتجنيد في معارك الدولة العثمانية في أقاصي مستعمراتهم، ومع ذلك .. لم يترك السوري أرضه طواعية أو راغباً بذلك..

حقيقة الأمر .. أنّ كلّ هؤلاء المُحتلّين لم يقوموا باستغباء الشعب السوريّ كما فعلت الحكومات المتعاقبة على مدار الأزمة، والتي أوصلت السوريّين لأن يتكلّموا مع أنفسهم في الشوارع، ويضربون كفّاً بكفّ مع كلّ قرار وتصريح وخطّة وتبرير، لدرجة أنّ أغلب السوريٍين فقدوا الأمل فعلاً بعد وصولهم للدرك الأسفل في أيّ معيار اقتصاديّ.

الحقيقة المؤلمة .. هي غياب المواطنة، وغياب ذرّات الاحترام من قبل السلطات لهذا الشعب، والذي أصبح أفراده على يقين بأن الانقسام الطبقي الحاد قد وضعهم كغالبيةٍ في مرمى القهر والعجز .. مقابل أقليّة تعيش في عالمٍ آخر مكوّنة كما يصفها أغلب السوريّين من طبقة المسؤولين الحاكمين اللصوص وقطّاع الطرق و أثرياء الحرب المصطنعين مع ذوي كلّ هؤلاء وخدمهم وحشمهم وكلاب حراستهم!!

الأمر إذاً لا يقتصر على الأوضاع الاقتصاديّة المزرية فقط، فالبلاد مرّت بما هو أصعب وأقسى، الأمر برمّته غياب المواطنة والقانون، والإفساد عن سابق إصرار وترصد وتصميم، وتحطيم الإنسان عبر كلّ ما سبق مجتمعاً ..

يحضرني بما مرّ أعلاه قول الماغوط العظيم:

“ما فائدة أن يكون النظام قوياً والمواطن من زجاج”؟..

ويحضر أيضاً قول الشاعر طرفة بن العبد:

“وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً      على المرء من وقعِ الحسام المهند” ..

وأخيراً ..  هنالك مقولة شهيرة  عند السوريّين: “زيوان البلد ولا قمح الغريب”..

وللأسف .. ذوي القربى سحقوا الإنسان والزيوان ..

*كاتب وروائي سوري

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى