رأي

عراضة “ديبو” بعين العدالة وعدسة الصحافة! .. بشار جرار – واشنطن ..

 

وددت لو سمح المقام بالعامية وبلسان سوري مبين. ولمن لا يتقنها – خاصة من حبايبنا المستشرقين، “ديبو” عنيت به جوني ديب ولا داعي للتعريف به بعد ما صرعونا بستة أسابيع من البث المباشر المطول لصراع الديكة: محاميه ومحامي طليقته آمبير هيرد، وهي كذلك غنية عن التعريف!

انحزت مسبقا لديب ولذلك سميته “ديبو” والواو لها حكاية ضاربة الجذور في سوريانا الحبيبة. هي واو المحبة لا الجماعة! فإن أحببت شخصا أضفت له الواو في نهاية اسمه بعيد عن السجال الدائر بين قامشلو وقامشلي فكيفما قرأتها هي درة من درر “السيدة” يعني سورية الحضارات، سورية مربوطة أو ممدودة ستبقى عصية على صحافة “الأعور على كيفه”! وتلك نكتة معروفة بلهجات عربية عدة حول حيرة موظف جوازات في وصف المواطن الذي تارة يغمض عينه اليمنى وتارة اليسرى مما اضطر لضيق أفقه وضعف بصره وضع تلك العبارة في خانة “علامات فارقة”! دون أي يعي سبب العلة وهي “حساسية الربيع” لا أكثر!

منذ صار البث التلفزيون على مدار الساعة، وغطت سطوح منازلنا أطباق الفضائيات وضجت ألواحنا الذكية بتطبيقات التواصل الاجتماعي اللامتناهية، صار “كل من هب ودبّ” خبرا. لا بل أصبحت قريتنا الصغيرة “حارة كل مين إيده إله”. لا قيمة للحرفة ولا محددات للكلفة ولا يكلف الأمر سوى حفنة من الدولارات لتحويل “تافه أو مختل أو شرير” إلى نجم لا بل وبطل! وكما قيل في عالم الإنتاج المرئي، هو محرقة كبرى بقاؤها وسعيرها مربوط بأن لكل شيء سعر وهو في المحصلة بخس في عالم الدعاية والإعلان، سوق نخاسة بكل معنى الكلمة إلا من رحم ربي.

منذ هجرتي إلى أمريكا قبل عقدين ورغم قضاء نحو نصف عمري في مهنة الصحافة والإعلام في ثلاث قارات بالقطاعين العام والخاص، إلا أني صدمت بالمحتوى “غير المشفر” الذي يقدم للناس دون حسيب ورقيب. برامج يندى لها الجبين ولا تخدم صراحة إلا تجار الموت بأنواعه. من ضمن تلك البرامج برنامج متخصص في محكمة الأسرة: ليس فقط “ردح” بألفاظ نابية، بل صراخ وضرب. وذلك الردح يعرض تفاصيل التفاصيل حتى في الحياة الخاصة للزوجين المتخاصمين وينتهي بأشبه ما يكون “عراضة” لسان حالها “ظهر الحق وزهق الباطل”.

نعود إلى “ديبو” الذي انقسمت بينه وبين طليقته أمريكا، وتفاعلت مع “عراضته” فضائيات ومنصات، فأقول تناسى الجمهور في غمرة السجال القضائي خيانات الطرفين الزوجية وشذوذها والمخدرات التي تم تعاطيها والفضلات البشرية – التي تم إسقاطها على السرير لإغاظة شريك الفراش، تناسى الجمهور “المغيب والمتلاعب به” وظن نفسه يشجع فريق ضد فريق رياضي وقد تزامنت المحاكمة مع لقاء ريال مدريد بليفيربول.

للإنصاف أستدرك فأقول إن المحاكمة المراثونية كشفت عيوبا في المتجمع كله خاصة في قضايا الادعاء لغايات سياسية كحركة (مي تو)”وأنا أيضا” التي استغلت قبل سنوات للنيل من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومن بعد القاضي المحافظ الذي رشحه لعضوية المحكمة العليا بريت كفانو.

مشكلتنا كبشرية في عالم اليوم، أن الحرمات جميعها سقطت. يوما ما كان للعدالة هيبتها وللصحافة وقارها..

 

*كاتب ومحلل سياسي – مدرب مع برنامج الدبلوماسية العامة في الخارجية الأميركية ..
المقال يعبر عن رأي الكاتب ..
عنوان الكاتب على basharjarrar : Twitter
 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى