إضاءاتالعناوين الرئيسية

بلا ملامح … أحمد علي هلال

 

بلا ملامح  … أحمد علي هلال
«شخصيات تبحث عن مؤلف»! تلك العبارة الأثيرة بما يكفي، اذ لا يهم عددها أو نَسبها، ما يحمل على الكلام في هذا السياق أن يرى المرء مثل هذه الشخصيات طليقة في الشوارع الخلفية، مقتصدة بلباسها حدَّ الانكشاف، ذاهلة توزع نظراتها يمنة وشمالاً بلا هدف، وتفترش الرصيف بعض الوقت لتتكئ على الشجرة، تماماً مثل ظل يتكئ على ظله، ظلٌ هشٌ كأنه ممتزج بالسراب، ذلك ظل رجل ما بلا ملامح، فقط يكتفي المارة بالنظر إليه، تلك النظرات الغامضة، التي لا تنطوي على معنى بعينه، ويمضون إلى شأنهم بالتفاتة أقل.

بلا ملامح …
الرجل الشجرة إذن هو حدث عابر في شارع يكتظ بالمارة المشغولين أبداً بيومياتهم، دونما أن يرجع أحدهم ليسأله ماذا يريد على الأقل ومن هو، أي سؤال في الهوية المبددة لا اسم واضح ولا كلمات تنم عن صاحبها سوى صمت يتكئ على صمته، هو صوت في حبكة جماعية لكنه خفيض بالكاد تسمعه الشجرة فتهز أوراقها بأسى لعله يشي بسؤال عابر تُرى من ينتظر من؟ لكن الرجل، البطل المضمر والوشيك لرواية مفتوحة بلا حدود، الممزق الثياب والذاهل النظرات، وهو يسند ظهره إلى الشجرة ليتماهى بها، علَّ أغصانها وأوراقها تدثره وتواسي ما تمزق من ثيابه، علَّ نسغها الأخضر يعيد دورة الدماء في شرايينه وأوردته..

بلا ملامح …
إذن هو الرجل الشجرة بتاريخ وجغرافيا وحكاية، فكم يمر الوقت عليه فصولاً وأمزجة وكلمات مبعثرة في الهواء، لكنه الشبيه بمرايا طليقة لا يجرؤ أحد على أن يحدق بها خشية أن يرى سوءته/ عريه، ليتجنب النظر ويمضي بلا اكتراث، ولعله أكثر من شخص هو مجاز «المتعبون في الأرض» كسواهم في غير أمكنة وأزمنة جهرت بها الحروب، وبحثوا عن فضاءات تحمل أرواحهم المتعبة والذائبة بياقوتها، تماماً مثل دينكيشوت سرفانتس، أو أبله ديستويفسكي، أو أسعد الوراق في «الله والفقر» لصدقي إسماعيل، ولعله نحن، حينما نقف إلى جواره كأشجار كثيفة وممتدة يرندحها هواء ثقيل مشبع برطوبة لزجة، أجل هو نحن، حينما تسقط الأقنعة، ولمَّا يزل مغزل الحكاية يدور.
.

*كاتب وناقد فلسطيني- سوريا

-لمتابعتنا عل فيسبوك: https://www.facebook.com/alwasatmidlinenews

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى