إعلام - نيوميديا

انشقاقات «النصرة» و«الأحرار»: الداعمون يمهّدون لمشهد «جهادي» جديد

 

صهيب عنجريني

يتجاوز ما شهدته المجموعات المسلّحة أخيراً من انشقاقات وانقسامات دائرة الأحداث العابرة. في الجوهر، تنبع التموضعات الجديدة من عوامل أكبر من مجرّد خلافات «شرعيّة» حول جواز القتال تحت رايات أجنبيّة.

وعلى الرغم من أنّ التغيّرات المتتالية توحي (ظاهريّاً) بأنّها ناجمةٌ عن أسباب متباينة ترتبط بالمجريات داخل كل مجموعة بذاتها، لكنّها في الواقع نتاجٌ لعمل ممنهج يهدف إلى فصل المجموعات عموماً إلى صنفين اثنين: أوّلهما «صعب الترويض» ويُشكّل «الجهاديون المهاجرون (غير السوريين)» عموده الفقري، فضلاً عن نسبةٍ من «الجهاديين الأنصار (السوريين)» المتمسّكين في الدرجة الأولى بانتماءاتهم «الأيديولوجيّة». أما الصّنف الثاني، فيضم المجموعات القابلة للانقياد بسهولة، وتحوي هذه أعداداً كبيرةً من المقاتلين الذين سبق أن اجتذبتهم مجموعات شتّى اعتماداً على أموال «الداعمين»، من دون أن تدخل التوجهات «الأيديولوجيّة» للمجموعات في حسابات أولئك المقاتلين. حركة الانقسامات طاولت حتى الآن بنحو أساسي اثنتين من أكبر المجموعات المقاتلة في سوريا («جبهة فتح الشام/ النصرة» و«حركة أحرار الشام»). الاعتقاد بأنّها (الانقسامات) جاءت مفاجئة لقيادات المجموعتين أو داعميهما، لا يبدو خياراً صائباً. وعلى العكس من ذلك، يمكن القول إنّها كانت مُتوقّعةً لدى «القادة» ومُنتظَرةً لدى الداعمين الذين يسعى بعضهم إلى تسريع وتيرة هذه المتغيّرات، تمهيداً لما بعدها. عوامل عدّة أسهمت في تزايد الانقسامات، على رأسها التجاذب الإقليمي. كذلك، بدأت تأثيرات «فك الارتباط»، والسعي إلى «اندماج الفصائل» في الارتداد سلباً على هذا التوجه .

«فتح الشام/ النصرة»

إذا كانت خطوة «فك الارتباط» قد مرّت بهدوء أوّل الأمر، فلأنّ زعيم «النصرة» أبو محمّد الجولاني، كان قد أفلح في المرحلة الأولى في الإيحاء إلى معظم «كتائب المهاجرين» أنّ الخطوة ليست سوى إجراء شكلي، ولن تؤثّر في «ثوابت الجهاد» ولا في وضع «الجهاديين» الأجانب. إلا أنّ تأثير «الداعمين» سرعان ما أثبت تفوّقه على تأثير الجولاني، ولا سيّما أنّ لكل اللاعبين الخارجيين المؤثرين داخل المجموعات مصلحةً في دوران حركة الانقسامات. المفارقة أنّ دوافع الداعمين متباينة، غير أنّ أهدافهم تصبّ في خانة واحدة.

يرى الأتراك والأميركيّون ضرورة «تنقية النصرة» من العناصر التي تُقدّم الانتماء «العقائدي» على ما سواه، تمهيداً لتسيير «فتح الشّام» بنحو كليّ. بينما يرى الأردنيّون والسعوديون في الأمر فرصة لاستعادة جزء من التأثير المفقود، عبر إعادة تقوية مجموعات خالصة الصبغة «الجهاديّة» يمكن التأثير في قراراتها بواسطة المرجعيّات «الجهاديّة» التي تحتفظ عمّان بعلاقات «طيبة» مع معظمها. الأمر الذي ينطبق على الرياض، ولكن بدرجة أقل، ما يجعلها مضطرّة إلى الاستعانة بسلفيي الكويت في هذا السّياق. ورغم أن القطريين يبدون في ظاهر الأمر بعيدين عن هذا الصراع على النفوذ، غيرَ أنّهم ما زالوا حاضرين عبر اللعب على وترين متناقضين: أوّلهما من خلال الواجهة التركيّة، ويضمن للدوحة «إصبعاً» داخل المجموعات البعيدة عن «القاعدة»، وثانيهما يعتمد على العلاقة المباشرة ببعض قيادات «القاعدة» و«النصرة». ويعتمد القطريون في كلتا الحالتين على الدعم المالي المقدّم لمعظم المجموعات بمختلف مشاربها، ما يضمن قدراً لا يُستهان به من النفوذ الخفي. وجود الجولاني على رأس «فتح الشام» ما زال (حتى الآن) يلعب دوراً في تماسك «الجبهة» والتقليل من الانقسامات قدر الممكن، ويحافظ أبو محمّد على تواصل مستمر مع قيادات «القاعدة» ومرجعياتها بغية الحد من «النزف الجهادي» في صفوف جبهته. كذلك يستنفر جهود أمنييه و«شرعييه» للهدف ذاته، وجاءت «الفتوى» الأخيرة التي تُحرّم القتال تحت راية أنقرة في إطار هذه الجهود.

«أحرار الشام»

حتى مطلع عام 2015، لم يكن الحال داخل «حركة أحرار الشام الإسلامية» ليختلف كثيراً عن نظيرتها «فتح الشّام». الاختلاف الأساسي بين المجموعتين نابع من عدم مجاهرة مؤسس «الأحرار» حسان عبّود (أبو عبد الله الحموي) بـ«البيعة» التي كان يدين بها لزعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري. لكنّ وجود تيارين داخل «الأحرار» كان حاضراً بنحو فعلي منذ عام 2013، وهما تياران يتجاذبهما ولاءان «عقائديّان» أساسيّان: الأوّل لـ«القاعدة»، والثاني لـ«جماعة الإخوان المسلمين». كذلك انقسم الولاء السياسي داخل «الحركة» بين الرياض وأنقرة. نجح عبّود في الحفاظ على توازن دقيق داخل «الحركة» مع تغليب غير معلن للتيار «القاعدي»، قبل أن تطيحَه ومعظم قادة الصف الأول حادثة الاستهداف الشهيرة في أيلول 2014. مهّدت التصفية (التي جرت بجهود تركيّة) لسيطرة أنقرة على مفاصل القرار داخل «الحركة» بدءاً من عام 2015. أخذت «أحرار الشام» بعدها بالعمل وفق منهج يشابه النهج «الإخواني» ليلمع نجم جناحها السياسي، لكنّ قسماً لا بأس به من كوادر «الحركة» ظلّ وفيّاً لانتمائه «القاعدي» ولـ«إرث حسّان عبّود». أفلح هؤلاء في تشكيل «لوبيات» مؤثّرة في القرار الميداني إلى حدّ ما. شهدت «الحركة» في آب الماضي مجاهرة أحمد عيسى الشيخ قائد «ألوية صقور الشّام» بالانفصال عنها، و«صقور الشام» واحدة من أولى المجموعات التي استقبلت «مجاهدين» أجانب في صفوفها.  كذلك، كانت «أحرار الشّام» قبل أيام على موعد مع انشقاق «شرعيّين» مصريين اثنين، هما أبو شعيب وأبو اليقظان. ثمّة حديث متزايد في كواليس «الجهاديين» عن ارتباط المذكورَين بحزب النور السلفي المصري، وكانا من بين أشد المعارضين لـ«فتوى» إباحة القتال تحت راية الأتراك. مهّد انشقاقهما لانشقاق مجموعة تُعرّف عن نفسها باسم «كتيبة مجاهدي أشدّاء».

«جبهة أنصار الدين»

من المتوقّع أن تسعى «أشدّاء» للانضمام إلى «فتح الشام». لكنّ موقف «الجبهة» من خطوة كهذه لا يزال غير واضح، ويقول مصدر من داخلها إنّ «ضم منشقين عن أحرار الشام سيكون خطأً فادحاً، لأنّه سيؤزّم الموقف مع الإخوة فيها». وربّما لجأت «فتح الشام» في سبيل إنقاذ الموقف إلى حل وسط، يقوم على التنسيق مع «أشدّاء» من دون انضمامها رسميّاً، أو على ضمّها إلى مجموعة محسوبة على «الجبهة» بنحو غير رسمي مثل «جبهة أنصار الدّين» بغية ترميمها. وكانت الأخيرة قد «بايعت» الجولاني بوصفه ممثلاً لـ«تنظيم القاعدة في بلاد الشّام». وإبّان «فك الارتباط»، ظهر تياران داخل «أنصار الدين» يسعى الأوّل إلى ضبط الأمور وعدم المجاهرة بالانفصال عن الجولاني والحفاظ على حدّ أعلى من التنسيق معه، فيما يرى الثاني أنّها باتت «في حل من البيعة». تُشكّل «الكتيبة الخضراء» مركز الزّخم الأساس داخل الفريق الثاني، وجاء انشقاقُها أخيراً عن «فتح الشّام» بمثابة انشقاق أيضاً عن «أنصار الدّين». يُعرف عن «الكتيبة الخضراء» منذ تأسيسها غلبة «المهاجرين السعوديين» داخلها. وضمن هذا الإطار يبدو طبيعيّاً انضمامُها إلى تنظيم «جند الأقصى»، نظراً إلى أن الأخير يُعَدّ ثانية أبرز المجموعات المحسوبة على السعوديّة (بعد «جيش الإسلام»).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
أهم الأخبار ..
اجتماعات موسعة في مصر.. لبحث خطة إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.. وزارة الصحة السورية وفرق الإنقاذ في الشمال السوري: حصيلة ضحايا الزلزال المدمر تتجاوز "2000" قتيل.. حصيلة الزلزال المدمر في "تركيا وسوريا" تتجاوز 8000 قتيل وعشرات آلاف الجرحى.. حريق في مصنع أمريكي للطائرات المسيّرة في لاتفيا..يوفّر الإمدادات للجيش الأوكراني وأعضاء في (الناتو).. الدفاع الإماراتية: «الفارس الشهم/ 2» عملية منسقة تعمل وفق أولويات السلطات في سوريا وتركيا.. طبيب تركي ناج من الزلزال: الجثث في كل مكان في مستشفى منهار بمدينة إسكندرون.. استمرار أعمال الإنقاذ في "كهرمان مرعش" بتركيا وإخراج عدد من "الناجين".. واشنطن... توافق على بيع راجمات "صواريخ هيمارس" لبولندا بقيمة 10 مليارات دولار.. نتنياهو يهدد بالسيطرة الأمنية على الواقع الميداني في شمالي الضفة الغربية.. متهما السلطة الفلسطينية بـ"التقصير" إزاء ذلك.. تركيا: "5894 "قتيلا وأكثر من "34" ألف مصاب في حصيلة جديدة لضحايا الزلزال.. وتأثيره شمل نحو 110 آلاف كلم مربع.. الجيش الروسي "42" مواطنا سوريا كانوا عالقين تحت الأنقاض..وينتشل 57 جثة لأشخاص قضوا تحت الأنقاض.. ملك الأردن... يتصل بالرئيس السوري.. ويؤكد استعداد بلاده لتقديم ما يلزم للمساعدة في جهود الإغاثة.. وصول 3 طائرات مصرية.. وطائرة إماراتية ثانية.. محملة بالمساعدات إلى مطار دمشق الدولي.. رئيس وزراء أرمينيا في اتصال هاتفي بالرئيس الأسد.. مستعدون لتقديم المساعدة إلى سورية.. الدفاع الروسية: مقتل نحو 300 جندي أوكراني وتدمير مستودعات أسلحة وذخيرة.. ارتفاع حصيلة الضحايا في عموم سوريا إلى 1559 ضحية و3648 مصاباً.. جراء الزلزال الذي وقع فجر الاثنين.. ومركزه جنوبي تركيا.. الزلزال... يدمر منزلي أبطال مسلسل "ضيعة ضايعة" أسعد وجودة.. في منطقة السمرا شمال غربي سوريا.. سوريا.. طائرة مساعدات إيرانية ثانية تصل مطار اللاذقية.. بريطانيا: سوناك يجهز رئيسا جديدا لحزب المحافظين.. بعد أن أقال نديم الزهاوي بسبب فضيحة متعلقة بالشؤون الضريبية.. عشرات الآلاف من الفرنسيين... يتظاهرون مجددا ضد خطة ماكرون لنظام "التقاعد".. ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال "تركيا" المدمر إلى 3549 قتيلا 22168 جريحا.. العراق يرسل قافلة مساعدات عاجلة إلى سوريا تحمل وقود البنزين وزيت الغاز.. الرئيس الإماراتي... يوعز بتقديم "50" مليون دولار لإغاثة المتضررين من الزلزال في سوريا.. أردوغان... يعلن حالة الطوارئ 3 أشهر بالمناطق المنكوبة.. ويؤكد أن الزلزال من أكبر الكوارث عالميا.. طائرة روسية... على متنها رجال إنقاذ وفرق طبية ومعدات خاصة تصل إلى سوريا.. الأرجنتين... تعرب عن تضامنها مع سورية بكارثة الزلزال.. وصول طائرة إماراتية... إلى مطار دمشق الدولي تحمل مساعدات إغاثية للمتضررين جراء الزلزال الذي ضرب البلاد.. الرئيس الجزائري يعزي الأسد بضحايا الزلزال.. ويؤكد استعداد بلاده مواصلة تقديم المساعدة.. وزير الأشغال اللبناني... يعلن فتح الأجواء والموانئ اللبنانية.. لتسهيل وصول المساعدات وفرق الإنقاذ إلى سورية.. الرئيس الإيراني... يهاتف الأسد معزيا بضحايا الزلزال ويعد بمواصلة المساعدة لتجاوز المحنة..