إضاءاتالعناوين الرئيسية

الهوية الموسيقية-2 .. مراد داغوم

|| Midline-news || – الوسط …
.

الموسيقا والإثنية

كان مقالي السابق عبارة عن “مقدمة” للدخول إلى بحث “الهوية الموسيقية” بشكل عام، وهو بحث إشكالي حسمه فلاسفة الفن وعلماء الاجتماع لصالح الذات الفردية، لأن العمل الموسيقي بحد ذاته كعمل إبداعي لا يتعلق بأدواته، ولا بمحيطه. تبرز المشكلة عندما يتم الخلط -بدون تعمُّد- بين (الهوية الموسيقية)، وبين “بعض” مميزات أو خصائص العمل الفني عندما نريد تصنيفه إثنياً.

غالباً ما يتم فَهم “الهوية الموسيقية” عند بعض الموسيقيين العرب على أنها انفراد للعمل الفني بحسب موقع أصحابه الجغرافي، ويرون “وجوب” اعتماده على الأدوات المحليّة والأساليب التقليدية ليتم وصفه أنه موسيقا عربية. فإذا تحرّينا أسباب الخلط ومواضعه، سنجد أن الغيرة الحَقَّة على ما نشأ عليه مجتمع ما هي دافع قوي للمرء ألا يُميِّز بين سِماتِ وخصائص العمل الفني الذي تمَّ إنتاجه في هذا المجتمع، وبين موضع هذا العمل ذاته بين أعمال فنية أخرى خارج هذا المجتمع. تترافق هذه الغيرة المحمودة مع خوف شديد على الموروث الموسيقي ألا يتعرَّض للتشويه، أو أن يصبح منسيّاً أو منبوذاً.

رون غودوين(1*) (Ron Goodwin)
هو واحد من كبار  الموسيقيين وقوّاد الأوركسترا البريطانيين، قام في بداية ستينات القرن الماضي بتوزيع أوركسترالي مذهل لأربع وعشرين قطعة موسيقية عربية في أسطوانتين من فئة 33 دورة (2*). بعض هذه القطع مفرطٌ في البساطة كأغنية (بشتك بم) لفيلمون وهبي. لم يكن هذا التنفيذ “خيانةً” للموسيقا البريطانية أو الأوروبية، ولم يخشَ الموسيقيون البريطانيون على تراثهم منه، ولم يبحثوا فكرة كون هذه الموسيقا عربية أو بريطانية، وتعاملوا مع العمل على أنه رؤية الموزِّع “الشخصيّة” لعمل فني بحسب إمكانياته وبشكل أهمّ “رغبته”.

أما بخصوص تنسيب العمل الموسيقي لبيئة مؤلفه، فهذا يتم عادةً في الفعاليات الثقافية العالمية تحديداً، عندما تستضيف دولة أوروبية ما نشاطاً موسيقياً غير تجاري، بمعنى أنه حدث ثقافيّ حصراً، كأيام لإيقاعات أفريقية أو لاتينية في عواصم أوروبية أو آسيوية، أو غير ذلك. يتم التنسيب هنا للبيئة الأصلية لمجرد التعريف بهذه الآلات أو بالأسلوب الموسيقي الخاص بها. أما في المجتمع الأصلي الذي تُنسب له، فليس من الضروري أن تنحصر الأعمال الموسيقية فيه بهذه الآلات لتنتمي إليه.  ففي عام 1967 قدمت المغنية الجنوب أفريقية “ميريام ماكيبا  Miriam Makeba” أغنيتها الشهيرة “Pata Pata (3*) والتي حظيت بانتشار عالمي لا سابق له، كانت بآلات الأوركسترا الغربية الخفيفة مُطَعمةٍ بآلة إيقاعية أفريقية واحدة وهي الـ Djembe المعروفة، وبقيت الموسيقا التراثية الأفريقية بعدها على مكانتها الفريدة، ولم تُصنَّف الأغنية إلا على أنها أفريقية، ولم تُوَجَّه لها تُهَم إهمال موسيقا بلدها.

بينما تغزو فكر الموسيقي السوري أو العربي فكرة ضرورة ووجوب الاعتماد التام على أدواتنا الموسيقيّة حصراً، حيث أذكر أن أحد كبار الموسيقيين السوريين –رحمه الله- كان يقول: لا يجوز تصوير البيئة السورية إلا بالقانون والعود والناي، ولكن التجربة الواقعية أثبتت خطأ هذه الفكرة. فما زالت في البال تلك الأغنية الرائعة التي قدمتها فرقة “ميراج” الأردنية بعنوان “تقول أهواك” (4*) شاهداً طيّباً على التمازج الفريد بين الصوت كموسيقا أوركسترا خفيفة غربية بحتة بما فيها آلة “الساكسفون” صولو، وبين الصورة المغرقة في محليتها الشرقية في البادية العربية بكل عناصرها المرئية من خيول وفرسان وخيام ونخيل. وبعدها بسنوات قليلة، كسر الموسيقار المصري “عمر خيرت” حاجز  التقليد وصوَّر البيئة المصرية باعتماد قالب أوركسترالي تام في فيلم “ليلة القبض على فاطمة” (5*)، ولم يكن كل ذلك إلا مصرياً إذا أردنا تصنيفه بحسب المعلوم.

لا خوف على تراثنا، فما زال في مكانه المحترم، ورغبة أحد الموسيقيين باستعمال أدوات يعتبرها البعض غريبة  ليست جريمة بحق ما يمتلكه الجميع من مخزون وموروث ثقافي. وتنفيذ هذا التراث بأدوات غير تقليدية لن يُفقده أصالته، بل يضيف إليه تنويعاً جميلاً. هذا الموروث ما زال يتربع على عرش الفعاليات الموسيقية الثقافية في بلادنا، ولن يتأثر. أما مصادرة حقّ الموسيقي في اختيار ما يراه مناسباً لعمله الفني وتوصيف عمله الناتج بأنه هجين مرذول، فهو توصيف غير عادل، والمبالغة في ذلك ليست إلا سلفيّة موسيقيّة تُقَزِّم التراث وتحرمه من ميزات وخصائص قد تكون في صالح زيادة انتشاره وقبوله من كثيرين.

هوامش:
(1*) رون غودوين Ron Goodwin : “رونالد ألفريد غودوين”، ملحن إنجليزي وقائد أوركسترا معروف بموسيقاه السينمائية. سجل أكثر من 70 فيلمًا في مسيرة استمرت أكثر من خمسين عامًا. ومن أشهر أعماله أفلام “أين تجرؤ النسور” و “معركة بريطانيا.

(2*) البومات (موسيقا ليلة عربية Music For An Arabian Night) و (عطلة في بيروت Holiday in Beirut) هي 24 أغنية عربية قام رون غودوين بتوزيعها وتسجيلها، ريع مبيعها مخصص لصالح اليونيسكو، انتشرت في وسائط الميديا العربية بشكل كبير، يمكن الاطلاع عليها للمهتمين عبر الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=FevW50UmpXA&list=PLfYru0Ui-zyh_qtuHF5JGRb63OYg9Fvxa

(3*) أغنية Patat Pata يمكن الاطلاع عليها في الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=JBJVVhn7iuo

(4*) أغنية “تقول أهواك” لفرقة ميراج الأردنية، يمكن الاطلاع علها عبر الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=ZXcqwj1XvJ8

(5*) موسيقا “ليلة القبض على فاطمة” – عمر خيرت.

*(ملحن وباحث موسيقي – سورية)
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى