العناوين الرئيسيةنساء الوسط

الملكة إليزابيث.. وحكايتها مع العرش البريطاني

 

الملكة إليزابيث.. و كيف بدأت حكايتها مع العرش البريطاني الذي اعتلته وهي تبلغ من العمر 25 عاما فقط ..عندما توفي والدها وأصبحت الملكة إليزابيث الثانية في السادس من شباط /فبراير 1952 بينما كانت تقوم بجولة في كينيا مع زوجها الأمير فيليب.

كان ونستون تشرشل أول رئيس وزراء من بين 15 رئيسا للوزراء تولوا المنصب خلال فترة حكمها.

في حين عاصرت رجالا كبارا في السياسة في العالم مثل نهرو وشارل ديغول ونيلسون مانديلا. وشهدت بناء جدار برلين، ثم سقوطه، والتقت 12 رئيسا أمريكيا.

و خلال سنوات حكمها السبعين، قامت بعملها بحس بالواجب لا يتزعزع، ونجحت رغم كل الأزمات والمحطات الصعبة في الاحتفاظ بدعم كثيف من رعاياها الذين أتوا بعشرات الآلاف في حزيران/يونيو لرؤيتها على شرفتها وتحيتها لمناسبة يوبيلها السبعين.

وقالت في فيلم وثائقي عام 1992 “لم أحصل على تدريب بأي طريقة ما، توفي والدي في سن مبكرة جدا، لذا كان نوعا من تولي الأمر بشكل مفاجئ، والقيام بأفضل عمل ممكن”.

وتابعت قائلة “إنها مسألة أن ينضج المرء على شيء اعتاد فعله وأن يقبل حقيقة أنك هنا وأن هذا هو مصيرك. إنها وظيفة مدى الحياة”.

وخلال 70 عاما جلست خلالها على العرش، تعرضت بريطانيا لتغييرات جذرية.

و كان الإنجاز الأكبر للملكة إليزابيث الثانية، التي توفيت بعد جلوسها على العرش لمدة 70 عاما، هو الحفاظ على شعبية النظام الملكي عبر عقود من التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي الحاد الذي هدد بجعله مفارقة تاريخية.

ساعدت ملكة بريطانيا، بصفتها شخصية موقرة يمكن الاعتماد عليها، والتي حكمت البلاد لفترة أطول من أي ملك بريطاني آخر، في أن تواكب المؤسسة الملكية العالم الحديث وجردتها من طقوس الديوان الملكي وجعلتها أكثر انفتاحا ويمكن الوصول إليها، وكل ذلك تحت مرأى ومسمع من وسائل الإعلام التي عادة ما كانت كثيرة التدخل والعدائية.

وبينما كانت الأمة التي تحكمها تكافح أحيانا كي تجد لنفسها مكانا في نظام عالمي جديد وغالبا ما كانت عائلتها تخالف توقعات الجماهير، ظلت الملكة نفسها رمزا للاستقرار. وحاولت أيضا تجاوز الحواجز الطبقية ونالت احترام الجمهوريين المتعصبين.

كانت الملكة تجسيدا لبريطانيا في الكثير من دول العالم، لكنها ظلت تمثل لغزا كفرد، فلم تجر مقابلة أبدا ونادرا ما كانت تعبر عن مشاعر أو تقدم رأيا شخصيا علنيا، فقد كانت امرأة يعترف بها الملايين لكن لا يعرفها أحد.

قال حفيدها الأمير و ويليام، الذي أصبح الآن وريث العرش، في فيلم وثائقي تلفزيوني عام 2012 “أعتقد أنها جلبت الحياة والطاقة والعاطفة إلى الوظيفة، تمكنت من تحديث النظام الملكي وتطويره بشكل لا مثيل له”.

 

الملكة إليزابيث.. وحكايتها مع العرش البريطاني

دوق ودوقة يورك مع ابنتيهما

الأميرة الصغيرة إليزابيث، أقصى اليمين، مع أختها الصغيرة مارغريت، ووالديها عندما كانا دوق ودوقة يوركمتى أدركت الطفلة إليزابيث أنها ستصبح ملكة بريطانيا ؟

غالبا ما يقال إن الملكة إليزابيث الثانية عاشت العقد الأول من حياتها مع توقعات محدودة لمصيرها الملكي. فهي، على ما يبدو، كانت طفلة خالية من الهموم، قضت وقتها في اللعب مع خيولها وكلابها، متحررة من ما ينتظرها.

وقد كان وضع الصغيرة إليزابيث ابنة الأمير بيرتي أشبه بوضع الأميرة بياتريس ابنة الأمير أندرو دوق يورك حاليا، فهي كانت بعيدة عن أي احتمال جدي لتولي العرش البريطاني، ناهيك عن حكم أكثر من 500 مليون أو نحو ذلك من سكان ما كان يعرف آنذاك باسم الكومنولث البريطاني والإمبراطورية البريطانية.

وقد كان ديسمبر/كانون الأول من عام 1936 نقطة تحول دراماتيكية في هذا السيناريو عندما أذهل عمها ديفيد، الملك إدوارد الثامن، العالم وعائلته بالتنازل عن العرش ليتزوج من واليس سيمبسون، عشيقته الأمريكية المطلقة، مما دفع إليزابيث البالغة من العمر 10 سنوات إلى الخط المباشر لوراثة العرش حيث حصل والدها الأمير ألبرت على لقب الملك جورج السادس، وأصبحت ابنته الكبرى هي الوريث المباشر له.

الملكة ماري مع حفيدتها إليزابيث
الأميرة الصغيرة إليزابيث مع جدتها الملكة ماري عام 1926

 

هل كانت الأميرة الصغيرة غير مستعدة حقا؟

قالت إليزابيث لشقيقتها مارغريت روز البالغة من العمر 6 سنوات في ذلك اليوم من شهر ديسمبر/كانون الأول: “بابا سيكون ملكا”، موضحة الهتاف المفاجئ من الحشود التي كانت تتجمع خارج مقر إقامتهم في بيكاديللي.

فتساءلت مارغريت: “هل هذا يعني أنك ستكونين ملكة؟”.. أجابت إليزابيث بهدوء: “نعم، أعتقد أن الأمر كذلك”.

ردت أختها الصغرى مداعبة: “مسكينة أنت”. لكن مارغريت اختارت حذف النكتة عندما أعادت سرد القصة بعد عقدين للمؤرخ بن بيملوت حيث ركزت على الكيفية التي بدت بها الوريثة الجديدة للعرش غير راغبة في المزاح. قالت الأميرة مارغريت لبيملوت: “لم تذكر الأمر مرة أخرى”.

وفي عام 1933، ووفقا للرواية الملكية، أبلغت  إليزابيث أختها مارغريت المولودة عام 1930 بثقة: “أنا الثالثة، وأنت الرابعة”.

وقد أجابت مارغريت الصغيرة والمرتبكة : “لا، أنت لست كذلك. أنا أبلغ من العمر 3 سنوات، وأنت تبلغين من العمر 7 سنوات”.

وقد استغرق الأمر بعض الوقت حتى أدركت مارغريت أن أختها الكبرى لم تكن تتحدث عن العمر. كانت إليزابيث تشير إلى موقع كل منهما في ترتيب وراثة العرش بعد جدهما، الأول هو العم ديفيد، وبابا هو الثاني، وليليبت الثالثة. كانت الطفلة البالغة من العمر سبع سنوات على حق في ما بدأ العالم يفكر فيه.

إذن ما الذي عرفته الأميرة إليزابيث البالغة من العمر 10 سنوات؟ ومتى كان ذلك؟

بعد تنازل عمها ديفيد عن العرش، وبعد أن تقدمت خطوتين لمواجهة التحدي المتمثل في أن تصبح رقم واحد في وراثة العرش، وصفت جدتها ليدي ستراثمور الأميرة البالغة من العمر 10 سنوات بأنها كانت “تصلي بحرارة من أجل أخ”.

ولكن لم يكن هناك أخ صغير قادم لإنقاذها. وقد كان على الفتاة الصغيرة التي نشأت بين خيولها وكلابها أن تعد نفسها الآن لمواجهة التحدي المتمثل في أن تصبح في نهاية المطاف “جدة إنجلترا” و “جدة” ويلز و أيرلندا الشمالية واسكتلندا أيضا.

كان أول نموذج للملكة إليزابيث الثانية عندما اتضح مصيرها هو اللقب الذي أطلقته على جدها الحبيب، المخادع ذو اللحية الملك جورج الخامس (1865-1936) وهو “الجد إنجلترا”، مما أظهر مدى براعة الفتاة الصغيرة في استيعاب جوهر المهام الملكية.

الملك جورج الخامس 

واعترف جون غور كاتب سيرته الذاتية الرسمية أن جورج الخامس كان متميزا “بعدم ممارسة المواهب الاجتماعية، وانعدام الجاذبية الشخصية، والافتقار إلى القدرات الفكرية حيث أنه لم يكن ذكيا ولا راوياً بارعا”، بعبارة أخرى، كان الملك العجوز يشبه تماما معظم رعاياه لكن كان لديه إحساس حاد بالبقاء وكذلك بالرمزية.

كان جورج الخامس هو الذي تخلص بذكاء من اللقب الألماني للعائلة المالكة وهو ساكس-كوبرغ-غوتاه في عام 1917. لذلك ليس من المستغرب، بعد أكثر من قرن من الزمان، أن يشعر العالم بإعجاب شديد بالمهارات التي استخدمتها الملكة خلال عهد طويل ومميز بشكل فريد. لقد تعلمت تلك المهارات مباشرة من مؤسس بيت ويندسور.

كان جورج الخامس المحب للبحر مصدر اللقب الشهير الذي أطلقته العائلة على حفيدته “ليليبت”. وفي أبريل/نيسان من عام 1929، في عيد ميلادها الثالث، ظهرت على غلاف مجلة تايم باسم الأميرة ليليبت.

الملكة إليزابيث
الأميرة “ليليبت” في صورة التقطت حوالي عام 1929

 

وفي ربيع عام 1929، أصر الملك العجوز على إحضار حفيدته المحبوبة، البالغة من العمر 3 سنوات فقط، لرؤيته في بوغنور ريغيس على ساحل ساسكس كأحد عنصرين حاسمين في شفائه من عملية شبه مميتة في الرئة (وكان العنصر الثاني الذي طالب به هو السماح له بتدخين سيجارة).

وفي تلك الأشهر الأولى من عام 1929 اعرب جورج الخامس لأول مرة عن آماله في أن تجلس حفيدته يوما ما على العرش البريطاني.

حدس الملك العجوز لم يخب

الملك جورج الخامس وحفيدته إليزابيث
صورة للأميرة الصغيرة مع جدها الملك جورج في بوغنور ريجيس عام 1929

 

قال جورج الخامس لوالد ليليبت الذي كان يزوره أثناء فترة النقاهة: “سترى، لن يصبح أخوك ملكا أبدا”.

و تذكرت الملكة الأم في سنوات لاحقة : “أتذكر أننا اعتقدنا كم هو تعليق سخيف حيث نظرنا إلى بعضنا البعض وظننا أن ما يُقال محض هراء”.

لكن الملك العجوز كان مصرا، حيث قال لأحد المقربين منه إن نجله ديفيد “سوف يتنازل عن العرش”، لقد توقع بذكاء استثنائي ما حدث قبل وقوعه بسبع سنوات.

لم يكن جورج الخامس قلقا فقط من أن ابنه الأكبر ديفيد سوف يُخرب عهده عندما يجلس على العرش، ولكنه كان قلقا أيضا من أن بيرتي التالي له على خط وراثة العرش نفسه ضعيف الصحة ويعاني من احتقان في الرئة.

ويبدو أن الملك العجوز كان قلقا من أن ينهار دوق يورك المتلعثم تحت ضغط المسؤولية الملكية، لذلك بدأ الدفع بليليبت الصغيرة إلى العرش وهي صغيرة.

وفي حالة حدوث ذلك، كان من المرجح أن يكون الوصي المنطقي على العرش هو هنري دوق غلوستر الابن الثالث الصلب لجورج الخامس والذي عاش بين عامي 1900و1974.

تشرشل يؤيد فكرة أن تصبح الطفلة إليزابيث ملكة:

ربما كانت احتمالية صعود إليزابيث، التي كانت لا تزال حدثا، على العرش تحت وصاية عمها هنري قد عكست قلق الملك المريض. لكن بدا أن ونستون تشرشل، وزير الخزانة آنذاك (ولاحقا أول رئيس وزراء للملكة) أيد فكرة أن الطفلة قد تصبح ملكة في المستقبل.

ومن الواضح أن الطفلة قد امتصت بعض الجاذبية الملكية من جدها الملك جورج الخامس عندما كانت تبني القلاع الرملية معه فيما كان يتعافى ببطء.

وفي قلعة وندسور في أواخر عشرينيات القرن الماضي، لاحظت أمينة المكتبة الملكية أوين مورشيد أن الأميرة الصغيرة إليزابيث التي ولدت في 21 أبريل/نيسان من عام 1926 تتحرك في عربة أطفال لمشاهدة تغيير الحرس عندما سار قائد الحرس لتحيتها بذكاء.

وداعبها الضابط قائلا: “إذن الخروج، من فضلك سيدتي؟”.

وقالت مورشيد: إن الأميرة الجالسة في عربتها (عربة الأطفال) مالت برأسها المغطى ثم لوحت بيدها لإعطاء الإذن.

وهكذا في تلك السن الصغيرة جدا، كانت إليزابيث قد أدركت بالفعل أهمية الدور الوطني لجدها بصفته “الجد إنجلترا”، ومن الواضح أنها كانت تطور بعض المعرفة بنفسها أيضا.

ما تأثير ذلك على عقل يبلغ من العمر 3 سنوات لدى اكتشاف أنه عليك فقط التلويح بيدك والإيماء برأسك للفرقة لتعزف والفصيل بأكمله يسير بناء على طلب منك؟

بعد فترة وجيزة من عيد ميلادها الرابع، في صيف عام 1930، ظهر تمثال شمعي للأميرة إليزابيث لأول مرة في متحف مدام توسو وهي جالسة على مهر.

الأميرة الصغيرة
الأميرة الصغيرة إليزابيث على طابع بريدي من نيوفاوندلاند عام 1932

وبعد ذلك بعامين، ظهرت الأميرة على طابع بريدي بلغ سعره 6 سنتات في نيوفاوندلاند. وبالقرب من القطب الجنوبي، تم رفع العلم البريطاني وإطلاق اسم “أرض الأميرة إليزابيث” على مساحة تبلغ 350 ألف ميل مربع، وهي منطقة أكبر من المملكة المتحدة بأسرها، وتطالب بها أستراليا.

وقالت صحيفة بلفاست نيوز ليتر في صيف عام 1932: “في كل مرة تخرج فيها الأميرة الصغيرة إليزابيث في جولة بالسيارة في المتنزه يتعرف الناس على الفتاة البالغة من العمر 6 أعوام، وتُرفع القبعات والمناديل من جميع الجهات”.

بمناسبة عيد ميلادها السابع في أبريل/نيسان من عام 1933، أرسلت الأميرة إليزابيث دعوات حفل الشاي على بطاقات دعوة خاصة بها كانت عبارة عن ورق أزرق منقوش عليه حرف “إيه” كبير أسفل التاج الملكي.

الملكة إليزابيث مع شقيقتها الأميرة مارغريت
الأميرة إليزابيث، إلى اليمين، وشقيقتها الأميرة مارغريت في عام 1933

 

وقد كلف والداها الفنان فيليب دي لازلو برسم صورة على شكل صندوق شوكولاتة لابنتهما، التي وصفها الرسام بأنها “الفتاة الصغيرة الأكثر ذكاء وجمالا، إنها تحظى بشعبية كبيرة، وفي الوقت الحاضر يُنظر إليها على أنها ملكة بريطانيا العظمى في المستقبل “.

الملك المستقبلي إدوارد الثامن لا يتطلع إلى العرش

وتردد صدى هذه الأخبار اللافتة للنظر في تقرير صحفي أمريكي صدر في مايو/آيار من عام 1934 مفاده أنه من المعروف عن الملك المستقبلي إدوارد الثامن أنه “يشعر بفتور تجاه الوظيفة التي وُلد من أجلها. وقد همس المقربون من الأمير بأنه لا يتطلع إلى أن يكون ملكا”. ونتيجة لذلك، كانت الأميرة الطفلة تتلقى “تعليما صارما حيث يُنظر إليها باعتبارها في خط الوراثة المباشر لتاج إنجلترا”.

وكان المصدر المحتمل لتلك المعلومات التي نشرتها الصحافة الأمريكية، والتي تم تجاهلها من قبل الصحافة البريطانية، هي ماريون كروفورد المربية الشابة للأميرة، والتي وُصفت بأنها كانت “جميلة جدا” و “قاسية جدا” و “اسكتلندية جدا”.

وقد أصبحت تلك المربية التي لُقبت بـ “كراوفي” سيئة السمعة بسبب كتابها الأكثر مبيعا “الأميرات الصغيرات” حول تربية الأميرتين إليزابيث ومارغريت، حيث كشفت، على سبيل المثال، كيف تآمرت مع الجدة الملكة ماري لتخريب رغبة والدة الأميرتين في أن تقضي ابنتاها وقتا أقل داخل حجرة الدراسة.

وقد عملت المربية والجدة معا لضخ المزيد من الصرامة في تعليم الشقيقتين. وقد شعرت الملكة الأم القاسية أن الأميرة إليزابيث يجب أن تقرأ فقط “أفضل أنواع كتب الأطفال”، وكانت تختارها بنفسها في كثير من الأحيان، فضلا عن “التسلية المفيدة” للملكة المستقبلية مثل الزيارات لبرج لندن.

وتتذكر صديقتها كونتيسة إيرلي: “كان من المستحيل على أي شخص مخلص للنظام الملكي مثل الملكة ماري إغفال رؤية الملكة المستقبلية في هذه الحفيدة المفضلة”.

وفي غضون ذلك، وضع الجد إنجلترا أهدافا أكثر بساطة. قال الملك الجد للمربية:” بالله عليك، علمي مارغريت وليليبت الكتابة بشكل لائق هذا كل ما أطلبه منك، لا أحد من أبنائي يستطيع الكتابة بشكل صحيح، جميعهم يفعلون ذلك بنفس الطريقة تماما. أحب أن يكون لكل يد شخصيتها “.

الملكة إليزابيث
الأميرة إليزابيث في صورة تم التقاطها في عام 1936 الذي حدث فيه التنازل عن العرش، يبدو أنها تعرف بالفعل ما ينتظرها

 

فرص الأميرة الصغيرة  إليزابيث في ان تصبح “ملكة ” كانت أفضل من فرص الملكة فيكتوريا 

وأشارت تقارير الصحف الأجنبية في ذلك الوقت إلى أن فرص الأميرة الصغيرة في أن تصبح “ملكة ” كانت أفضل من فرص الملكة فيكتوريا عندما كانت تبلغ من العمر ثماني سنوات قبل قرن من الزمان حيث كانت ابنة الابن الرابع ويسبقها عمان في خط العرش. ولا عجب في أن إليزابيث كانت ملمة بتلك التوقعات العظيمة.

وكانت إليزابيث قد قالت لكراوفي: “إذا أصبحت ملكة في يوم من الأيام، فسأضع قانونا يمنع ركوب الخيل أيام الأحد حيث يجب أن تحصل الخيول على قسط من الراحة أيضا”.

وقد شعرت الجدة الملكة ماري بالخطر عندما لاحظت كيف كانت حفيدتها تتلوى بفارغ الصبر في حفلة موسيقية، وسألتها عما إذا كانت تفضل العودة إلى المنزل.

وجاءها رد إليزابيث: “أوه لا، يا جدتي .. لا يمكننا المغادرة قبل النهاية، فكري في كل الأشخاص الذين سينتظرون رؤيتنا في الخارج”. وعندها طلبت الجدة على الفور من إحدى المرافقات اصطحاب الطفلة إلى الخارج من طريق خلفي وأخذها إلى المنزل في سيارة أجرة.

ولم تكن الملكة ماري تريد أن تدمن حفيدتها الكبرى على التملق حيث أدركت الملكة وزوجها كيف أن التواضع والشعور بالخدمة يشكلان الثمن الذي يتعين على أفراد العائلة المالكة دفعه مقابل وضعهم الملكي في عصر ديمقراطي. لقد كان الواجب هو شعارهم، وقد نقل كلاهما هذا الدرس الحاسم إلى حفيدتهما فهي أقل أهمية من النظام. لقد حرصا على أن تنشأ ليليبت كلاعبة في الفريق.

يقال إن الأمير وليام أراد أن يتمتع ابنه الأمير جورج ببضع سنوات من الحياة الطبيعية النسبية قبل أن يُخبر بمستقبله

ومن كل تلك الدلائل والإشارات، يبدو من المحتمل أن تكون الملكة المستقبلية إليزابيث الثانية قد اكتسبت فكرة واقعية عما ينتظرها في سن السابعة، قبل ثلاث سنوات على الأقل من تنازل عمها عن العرش.

ومن المثير للاهتمام أن الأمير ويليام قد كشف عن نفس الحقيقة الصعبة لابنه جورج في سن السابعة كما قيل، في آخر لحظة قبل أن يواجه الصبي الحقيقة في ملعب مدرسته في لندن.

ومثل والده تشارلز، أعرب ويليام عن مشاعره المختلطة في كونه مثقلا بمعرفة مصيره الملكي منذ وعيه المبكر. لقد أراد أن يتمتع جورج ببضع سنوات فقط من الحياة الطبيعية النسبية. وربما تمتعت إليزابيث بغريزة الحياة الطبيعية من خلال سنوات حياتها المبكرة قبل دخولها على خط وراثة العرش. وربما تم ترقيتها إلى دور القائد، لكنها لم تنس أبدا أنها بدأت كلاعب في الفريق.

بعد تولي إليزابيث العرش 

وبعد توليها العرش في عام 1952، انقسم عهد إليزابيث الثانية إلى نصفين، الأول رتيب نسبيا لما يقرب من ثلاثة عقود قبل زواج الأمير تشارلز المضطرب في الثمانينيات من ديانا، لقد كانت أخبار ذلك الزواج بمثابة الهدية التي استمرت في تغذية وسائل الإعلام الشرهة في أواخر القرن الماضي. كان ذلك عندما بدأت دروس الطفولة التي استوعبتها إليزابيث الصغيرة من أجدادها.

احتاجت الملكة إلى كل التواضع الدائم الذي تستطيع حشده لتحمل الأزمات التي بدت كالانهيار الجليدي الشبيه بالتنازل عن العرش: تشارلز، ديانا، كاميلا، نيران وندسور، أندرو مع فيرغي، أندرو بدون فيرغي ثم رحيل الحفيد هاري في عام 2020.

كانت أزمة تلو الأخرى، ووسط كل ذلك، سادت الملكية في يدها الآمنة.

وقد ساعدتها روح الدعابة الجافة. ففي عام 1992، قامت الملكة بنزع سلاح كارثة حريق وندسور وانهيار ثلاثة من زيجات أبنائها باللجوء إلى تعبير لاتيني، حيث وصفت وهي تبتسم عام 1992 بأنه “أونس هوريبل” وهي عبارة لاتينية تعني “بشعا”.

و عندما اضطرت وزيرة العمل المحرجة كلير شورت إلى إغلاق هاتفها المحمول لتوقف رنينه خلال اجتماع لمجلس الملكة الخاص، قالت الملكة إليزابيث مداعبة: “يا عزيزتي، آمل ألا يكون المتصل شخصاً مهما؟”

ويبدو أن إليزابيث الثانية، حادة النظر وذات تفكير الثاقب، قد استوعبت منذ سن مبكرة الكوميديا الخاصة بالعرض الملكي الذي كان من المقرر أن تلعب فيه دورا رئيسيا.

فقد أعلنت في كلمتها بمناسبة احتفالات الكريسماس في عام 1991: “دعونا لا نأخذ أنفسنا على محمل الجد، لا أحد منا يحتكر الحكمة”

المصدر: روبرت لاسي هو مؤرخ وكاتب سيرة بريطاني أجرى دراسة خاصة عن الملكية الدستورية الحديثة لبريطانيا. نُشرت سيرته الذاتية صاحبة الجلالة: إليزابيث الثانية وبيت وندسور في عام 1977. ويتولى منذ عام 2015 منصب المستشار التاريخي لمسلسل ذي كراون على شبكة نتفليكس.

الإعداد: شهناز بيشاني

تابعونا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
أهم الأخبار ..
مقتل 22 شخصا في تحطم طائرتين للجيش الأوغندي.. موسكو تطالب بايدن بالكشف عما إذا كانت واشنطن تقف وراء تسرب الغاز من "نورد ستريم".. خارجية المجر: وصول شحنة وقود جديدة من روسيا لمحطة "باكش" النووية.. مجلس النواب العراقي يصوت على تجديد الثقة برئيس البرلمان محمد الحلبوسي، و صدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية في ساحة التحرير وسط بغداد .. بوركينا فاسو.. مقتل 11 جنديا وفقدان 50 مدنيا في هجوم على قافلة.. الإعصار "إيان" يضرب فلوريدا ويدمر طائرات..بعد ان تسبب بانهيار شبكة الطاقة في كوبا كليا.. سلطات زابوروجيا ولوغانسك وخيرسون: سندعو بوتين اليوم من أجل ضمّنا إلى روسيا.. بعد حالات التسرب في "السيل الشمالي".. الاتحاد الأوروبي يحذر من أي "عبث" بمنشآته للطاقة.. الجيش الروسي يعزز أسطول المحيط الهادئ بغواصتين تعملان بالطاقة النووية.. تزامنا مع زيارة كامالا هاريس إلى سيؤول.. كوريا الشمالية تطلق صاروخًا بالستيًا قبالة ساحلها الشرقي.. الكويتيون يختارون أعضاء البرلمان غداً الخميس.. السويد: حادث تسرب غاز "التيار الشمالي" قد يكون ناجما عن تفجيرات تخريبية.. السعودية: أمر ملكي بتكليف ولي العهد محمد بن سلمان رئيسا لمجلس الوزراء، والأمير خالد وزيرا للدفاع في تعديل وزاري واسع.. حداد وإضراب شامل بالضفة الغربية.. 4 شهداء و44 جريحًا بفعل العدوان الإسرائيلي على جنين.. الكرملين: واشنطن تقترب من التحول إلى طرف في النزاع بأوكرانيا وهذا أمر خطر للغاية.. قتيل وأربعة مصابين بإطلاق نار بإحدى مدارس ولاية بينسلفانيا الأمريكية انتشال جثة رجل خمسيني من أمام شاطئ جبلة تعود لأحد ضحايا القارب اللبناني الغارق قبالة شواطئ طرطوس الفاتيكان: البابا فرنسيس سيزور البحرين من 3 إلى 6 تشرين الثاني.. علماء الزلازل السويديون يرصدون وقوع انفجارين الاثنين، على مسار خطوط أنابيب "السيل الشمالي 1-2".. رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان: العقوبات ضد روسيا جعلت سكان أوروبا أكثر فقرا..