الديك الفصيحالعناوين الرئيسية

الكأس للحكومة .. غسان أديب المعلم ..

 

“الكأس للحكومة، الكأس للحكومة”

ومن هو الأحقّ بكأس “عيد الكذب” أكثر منها؟

ورغم إصرار “البيك” في مسرحيّة غُربة على تخصيص يومٍ للاحتفال بعيد الكذب من أيام السنة للجماهير، إلّا أنّ الجماهير هتفت في ذلك اليوم بأنّ الكأس من نصيب الحكومة .. فلا أحدٌ ينافسها أو يزاحمها على الصدارة طوال أيام السنة.

كان ذلك العرض المسرحيّ قبل ثلاثين عاماً تقريباً، ويبدو أن هذه السِّمة (الكذب) أصبحت متلازمة في مسيرة هذا الوطن عند السُلطات بغالبيّة المسؤولين، رغم أنها تصف ذاتها بأنها تقدّميّة، وتحارب الرجعيّة.

فطوال عقود انتهجت الحكومات إتخام بياناتها بأطنانٍ من الوعود على الورق، وأنّ التنمية تسير على قدمٍ وساق، وأن المواطن ورفاهيّته، أو سُبل معيشته ضمن الأولويّات، وأنّ مُعدّلات النمو سترتفع، وأنّ قافلة الوطن تسير وكلاب الأعداء تعوي.

ورغم اختلاف التسميات وتعدّد الوجوه، وحتى لو كان من ضمن كادرها بعض الطفرات لذرّ الرماد في العيون، إلّا أن الفشل في أغلب الأحيان كان السَّمة العامة، وكانت شمّاعة الفشل لا تتغيّر بأنّ مردّ ذلك ضريبة الصمود والتصدّي ومقاومة الرجعيّة في تبرئة دائمة للغباء المُتعمّد، مع تماهي قلّما نجد نظيره في الحكايات بين مختلف السلطات، سواءً التنفيذيّة منها وصولاً للتشريعيّة والقضائيّة، والنتيجة الدائمة خسارات متلاحقة للمواطنين.

وهنا، وفي هذا الزمان بالذات .. ما من عاقلٍ ينفي دور أعداء الوطن الخارجيّين، من دولٍ باتت وراء ظهرانينا، بل وحتّى في عُقر ديارنا، تسرق أرزاقنا، وتنهب خيراتنا، وتتقاسم مواردنا، إلّا أنّ المشهد العام يرسم التشاركيّة بين أعداء الخارج ومن هم أكثر ضرراً وهم أعداء الداخل.

فلو كانت هناك بطولة عالميّة للكذب والنفاق وانعدام المسؤوليّة، لتنافست الحكومات السوريّة المُتعاقبة على المراكز الأولى، وربّما لو خصّصت موسوعة غينيس أحد أرقامها القياسيّة في هذا المجال لرسمت “الحكومة السوريّة” أسمها بأحرفٍ من ذهب.

فأغلب التحليلات الاقتصادية تحذّر من كارثةٍ قادمة لا محال، في ظلّ ازدياد نسبة انعدام الثقة من قبل الشعب، وانعدام الخطط الاقتصاديّة الواضحة والصريحة والشفّافة الملموسة لوقف سُعار ارتفاع الأسعار، والنزيف الحاد في مدّخرات المواطنين، لدرجة أنّ الكثير منهم غارق بالديون، ومنهم من لجأ إلى بيع ممتلكاته الشخصيّة من عقارٍ أو مركبات، أو حتى أثاث منزل لتغطية بعض النفقات.

والأنكى أنّ الحكومة تدعو المستثمرين بشكلٍ دائم للدخول في الأسواق السوريّة، وتزيّن لهم الأوضاع على أنّها مناخ جيّد في الاستثمار، لكنّ نظرة واحدة على واقع الكهرباء والمواصلات، موصولةً بالقوانين البالية، وتفاوت سعر الصرف، ونسب التضخّم وضعف القوّة الشرائيّة، تجعل أكثر المُستثمرين مغامرةً يعزف عن القدوم وسط هذا المناخ.

بل أكثر من ذلك، فالحكومة تدعو كافة السوريّين المُغتربين واللاجئين للعودة إلى سوريا، وستقوم بنفسها مشكورة بتقديم الدعم الكافي والوافي لحياة مُتخمة بالسعادة.

بينما ترفع الدعم بشكل تدريجيّ عن الفئات العاملة يوماً بعد يوم ابتداءً بالمُحامين والمهندسين والأطبّاء لتختتم اختباراتها اليوم بالصيادلة، والنتيجة هو المواطن كالمعتاد.

وبالتأكيد سيكون الباقون من أصحاب المهن على جدول الأعمال، وصولاً لفرض نسبة الأوكسجين المُستحقّة لكلّ مواطن وفق معاييرهم وبطاقتهم الذكيّة، ووفق المواصفات القياسيّة السوريّة.

ولا يستغربنّ أحد ذلك الأمر الضارب أطنابه في الوقاحة، وأنّ الحكومة ستبيع الهواء، فهي وصلت لهذه الحدود تقريباً، فلو احتسبنا تكلفة جواز السفر الورقيّ، فلن تتجاوز الكلفة ألف ليرة سوريّة أو حتى ألفي ليرة على أبعد تقدير، ومع ذلك تفرضه الدولة على المواطن بمبلغٍ رسميّ أكبر بثلاثمائة مرّة، أو أنّ ملاذه سيكون في انتظار دوره كما تحدّده المنصّة الالكترونيّة بعد سنة أو أكثر.

فهل للدول العدوانيّة وللحلفاء والأصدقاء شأنٌ في تأخير طباعة دفترٍ صغير رغم تواجد الورق والحبر والمطابع؟.

والقياس ذاته على باقي المجالات، ويكفي أن نستعيد الذاكرة في قرار مصادرة الدراجات الناريّة قبل سنوات، وفي نفس الوقت تدخل الماكينات الجديدة المستوردة للسوق.

ذات الأمر بأن يسمع المواطن بمفردات قوانين الحصار، ويرى أحدث السيارات ومن مختلف الماركات تتجوّل في شوراع البلاد الحزينة.

يالها من أقدارٍ مرسومة أصابت هذه البلاد، فلا مكان للضمير عند هؤلاء ولا موطناً للمسؤوليّة، ولا جدوى من الشكوى والسلطات هي الخصم والحكمُ، ليصبح العرض المسرحيّ “غربة” واقعاً حقيقيّاً، وتصبح ألسنة السوريّين مُعتادة على تكرار ما جاء في المسرحية: “الله يخلّيلنا البيك والكاس للحكومة”.

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى