العملة صعبة .. د.محمد عامر المارديني ..

د.محمد عامر المارديني ..
كانتِ السّاعة الثالثة من بعد الظّهر حين كانت جماهيرُ العائدين من أعمالهم محتشدةً تحت الجسر بانتظار إحدى وسائطِ النقلِ العامةِ أو الخاصة، التي أضحى وجودها نادراً في هذا الوقت من النهار، أملاً أن يكون لديهم الحظُّ السعيد في أن يقتنصوا مقعداً ما يوصلُهم إلى منازلِهم بيسرٍ وأمان، وبأقلِّ عددٍ من اللطماتِ واللكمات والرفسات.
في هذه الأثناء وبينما كانت إحدى الموظّفاتِ الشابات دسمةِ الأرداف تستعدُّ لأمّ المعارك في الولوج عبرَ بابِ الميكروباص الّذي وصل للتوِّ، ومعها العشراتُ من المواطنين ممّن تمرّسوا على مثل هذه المغامراتِ اليوميّة وإذ بأحد النشّالين يلتقط بخفّةِ ورشاقةٍ هاتفَها المحمول من الجيب الخلفية للجينز الضيّق الذي كانت ترتديه.
لكنّ حظَّه هذه المرّةَ كان عاثراً، فما إن سحب ذلك الهاتفَ حتى رنّ بالصدفةِ لتنتبه إليه تلك الشابةُ وترجع فوراً إلى الوراء لتستعيدَ هاتفَها المنشول مستخدمةً أظافرَها الطويلةَ بعد أن غرزَتها في جلدِ يديه، ولتصرخَ بأعلى صوتها: حرامي، حرامي!
توقّفتِ الحركةُ في ذلك المكان وكأنّ زلزالاً عنيفاً قد وقع، وآثر الجميع عدمَ الركوب في الميكروباص، لمعرفة ماذا يحصل. وما هي إلا لحظاتٌ حتى انقضّ على النشّالِ ثلاثةُ شبانٍ أشاوس كالصّقور يؤازرون الشابةَ ملبّين نداءَ الحقّ والواجب فأمسكوا بالنشالِ وأوسعوه ضرباً ولكماً وركلاً حتى سال الدمُ من أنفه وفمه وسقط على الأرض يمثلُ دور المغشيّ عليه ليتّقيَ متابعة القصاص.
وبعد أن علا الصّوت بكلمة حرامي أخذ جميع الموجودين في المكان يتفقّد جيوبه الداخليةَ والخارجيّةَ، وكذلك المَحافظ والحقائب خشيةَ أن يكونوا من ضحايا ذلك النشّال. وبعد ثوانٍ صرخ أحدُهم بأنّ هاتفَه المحمول مسروقٌ، وبكت إمرأة مسنّةٌ وهي تندب حظّها لأنّ كلَّ ماتبقّى لديها من المال حتّى آخر الشّهرِ، والبالغَ عشرةَ آلاف ليرة، قد سُرق من جيبِ معطفِها.
وهكذا أخذتِ الأصواتُ تتعالى بادّعاءات سرقةِ هاتف أو مال أو مصاغ، ولتبدأَ في تلك اللحظة حملةُ تفتيش النشالِ الذي خُيِّل للجميع بأنّه مغشيٌّ عليه. بدأ الشبانُ الثلاثة يفتّشون جيوبَ النشال ويقلّبونه يمنة ويسرةً وهو بلا حراك، وخلعوا عنه أكثرَ ثيابه ليجدوا معه مجموعة من الهواتفَ المحمولة وكميةً كبيرة من المال، فراحوا ينادون الجميع يسألونهم عما سُرق منهم مُخفين عنهم المسروقاتِ وليتأكّدوا أنّهم فعلاً من ضحايا ذلك النشّال. وبدؤوا بعد ذلك بتوزيعِ الهواتف المحمولة على أصحابها، ومن ثَمّ النقود بعد أن استوضحوا العلاماتِ الفارقةَ في كلّ شيء إن وجدت، إلى أن صرخ أحدهم قائلاً: لمن هذه النقود؟؟ ورفع يده عالياً وهو ممسك بورقتين من فئة المئة دولار أمريكي.
لم يُجب أحدٌ من المجتمعين بل أخذ معظمُهم يدير وجهَه عائداً للخوض في أمّ المعارك تمهيداً للولوج في الميكروباص الواقف قرب مسرحِ الجريمة. أعاد الشاب صراخه: لمن هذه الدولارات ؟؟ لكن لا مجيب.. ثم كرّر صراخَه: لمن هذه النقود؟؟ كذلك لم يستجب أحدٌ لندائِه، فما كان من أحد الشبّانِ الثلاثة إلا أن سكبَ الماءَ على وجه النشالِ موقظاً إيّاه، و سأله: ممّن نشلتَ المئتي دولار؟ فأشار بإصبعه وهو يتألّم إلى رجل يلبس بزّةً سوداءَ وربطةَ عنقٍ حمراءَ فوق قميص برتقاليِّ اللون يستندُ إلى عمودِ الكهرباء القريبِ جدّاً من المكان. وما إن أشار إليه حتى تسلّلَ هارباً من بين الجموعِ كما تفعل الحرباء.
وفي هذه اللحظات حضرتِ الشرطةُ من دون أن يعلمَ أحدٌ كيف صادف وجودُها في ذلك المكان! نزل المساعد أول من السيارة وأمر عناصرَه على الفور باعتقالِ الشبان الثلاثة ظنّاً منه أن شجاراً عنيفاً قد حصل أثناءَ التدافع للدخولِ إلى الميكروباص، ثمّ طلب على جهازه اللاسلكي سيارةَ الإسعاف لإنقاذ الرجل المرميِّ أرضاً شبهِ المغشيّ عليه. حاول الجميعُ تنبيهَ المساعد أول بأنّ المغشيّ عليه هو نشّال، وأنّ الشبّانَ قد دفعتهُمُ الحماسةُ والشهامةُ والفروسيّة تجاهَ السيدةِ دسمة الأرداف لمنعِ السارق من نشلِ هاتفها المحمول من جيبِ جينزها الضيّق، لكنّ المساعد الأول أسكت الجميعَ بعبارة ساحقة ماحقة: “كل واحد يضب لسانه بتمه.. شو قاعدين نحنا عم نعمل؟”.. ثمّ استدرك قائلاً وهو في قمّة الدهشة: وما هذه النقودُ التي بين يديك؟؟ فما كان من حاملِها إلا أن قال وهو يرتجف: الله وكيلك وجدنا هذه النقود في جيب هذا النشّال، مشيراً إلى المئتي دولار. قال المساعد الأول ساخطاً: “وتتداولون بالعملة الصعبة أيضاً؟ يا ويحكم، والله وقعتم ولا أحد سمّى عليكم، يا فاسدين يا مهرّبين يا سفلة”.
أخذت جموعُ الناس تصرخ وتنادي المساعد أول أن يترفّق بحال هؤلاء الشبّان الثلاثة وأنّهم يُشهِدون الله أنْ لا علاقةَ لهم أبداً بتلك النقود، لكنّ المساعد أول لم يُصغِ لندائهم ورجائهم طالباً من عناصره دكَّ هؤلاء الشبان الثلاثة في سيارة الشرطة بعد أن أشبعوهم رفساً ولطماً وأنّ عليهم أن يغلقوا أفواهَهم حتّى يصلوا إلى المخفر لكتابة ضبطِ الشرطة.
في المخفر سيق الفرسان الثلاثة إلى النظارة تمهيداً للتحقيقِ معهم بتهمة ممارسة التعذيبِ على مواطن أعزلَ مخالفين بذلك -كما قال لهم رئيس المخفر- أهمّ مبدأٍ من مبادىء حقوقِ الإنسان! علماً أنّ النشال كان قد جرى إسعافُه إلى أحد المشافي العامة. وبعد يومين من التحقيق من قبل النائبِ العام في قصر العدل أُفرِجَ عن الشبّان الثلاثة بعد أن وقّعوا على تعهُّد بعدم لعبِ دور الشرطة في معاملة المشتبه بهم كقيامِهم في خلع ملابسهم وتفتيشهم عنوة أمام العامّة من المواطنين، علماً أن المحضرَ الذي وقّعوا عليه لم يذكر فيه شيءٌ عن نقود من فئة المئتي دولار.
.
*أديب كاتب- وزير التعليم العالي السابق- سوريا



