رأي

السير بالملابس الداخلية!؟ .. د. نهلة عيسى

قضيت الأسبوع الماضي في ضيعتي غرب البلاد, وغرب البلاد هو خزان شهداء سورية, وأيضاً فقرائها, ولذلك كان من الطبيعي أن أشعر وكأن العالم يتداعى من حولنا, بينما نحن أسرى صيرورة عبثية, تغادرنا فيها الأشياء, الأشخاص, الزمان, وكأننا في نفس المكان منذ ألف عام, بانتظار نوح والسفينة قبل أن يلتهمنا الطوفان, ولا أحد يملك خريطة, ولا بوصلة, وكل الطرق طين, والهمهمات على الألسنة في القرن الواحد والعشرين تقول: البشر عاجزون, عاجزون!؟ يا لسخرية الأيام, بالأمس فيروس صغير, واليوم حرب محدودة عَرَّيا بيوتات السياسية الدولية, وأجبرا البشرية على السير بالملابس الداخلية!.

العالم يتداعى, وكل ما يجري غريب, هجين, سقيم, لكن .. يبدو أن السقم بات هو المعتاد, والغريب هو السائد, والطبيعي هو الهجين الفريد, وحيث وراء الفيروس والحرب, أكاذيب, وعهر, وعالم يعاد تشكله على جثث البشر, عالماً صاخباً, ملوناً, محيراً, يمكنك الحصول فيه على المتعة والتسلية, فيما لو كنت ميتاً!؟ إنه عالم “العبث لاند”, حيث استولت علَي نوبة من الضحك الهستيري, حيث الإعلانات الإرشادية تطالبنا بالتباعد الاجتماعي باعتباره حبل نجاة! والتصريحات السياسية تطالبنا بالتقارب باعتباره أيضاً حبل نجاة, فماذا نختار!؟.

العالم يتداعى, حيث كل الأحلام  أفعوانيات, وبيوت رعب تفضي إلى سراب يوهم بماء, والماء وهم لا تمسكه اليد, والحلم رمد على شرفات العيون, والواقفين على رصيف الصبر, ليس مسموحاً لهم بالوقوف, فقطارات الوصول دائمة الرحيل, ولم تعد تقف عند كعبة, والراحلون ليس أمامهم من رصيف, سوى الجدران, أو عوالم افتراضية تفضي إلى خواء, من قال: أن الخواء ينجب غير الخواء, ومن قال: أن الوقوف بين لا ونعم, يمكن أن يكون حياة!؟.

كل ما يجري مُمل, لكنه مثير, والبصيرة لم تعد بحاجة شمعة, والسأم لم يعد رفيق الاكتئاب, إنه زمن الفرجة, فلتتردد في حلوقنا الضحكات, ولنشكر الرب, أن العمر طال رغم سوء الحال, ولنتحاجج عن علاقة الشمس بالنهار, والقدم اليمنى بالبركة, والربيع بالانتحار, والريح بالشجر, والوفرة بالضجر, هذا زمن “العبث”, فلماذا ندَّعي الحكمة, لماذا ندَّعي القوة؟ اضحكوا.. أننا على الأقل في هذا الوطن البائس, ما زلنا نعيش.

رأسي يسندها الضجر, وضحكاتي تتعالى كطفلة ترقب بعيون شقية, استغراق الجد الفاني, الجالس على باب الدار, يوزع ببقايا البصر, نظراته على الجميلات العابرات, ويروي للمجاورين الجالسين, قصص حب مزعومة, وحروب وهمية, كان بوده لو عاشها, ولكن لا أحد من الجالسين كان في ذاك الزمان, ليعرف الحقيقة من الخيال؟ رقصة سيف الجد في حرب الإوز, شقيقة قصص حبه المزعومة, هي مجرد سيف, أو صورة سيف على حائط, يشبه حائط المبكى, للتفجع على ما لم يكن, وما ليس حقاً قد حدث, وما بين السيفين, سيوف تواجهت, ودماء سالت, وسوف تسيل, وأرامل في حداد, وغبار, وضباب سيتوالى على صور الشهداء, فالزمن للفرجة, لا لحمل السيوف, وملوك الزمان عرَّتهم الحروب غير المتفق عليها, جعلتهم ملوك شطرنج, يمدون عظام الرجال التي حملت حقاً السيوف, موائدَ للتوقيع بدماء الشعوب, وحيث يمكن لأي لاعب ماهر مهما صغر أن يودي بهم وأن ينادي: كش ملك!؟.

العالم يتداعى, ونحن تحت تأثير صحو مشلول القدمين, كالبومة ننعق, رغم أني أؤمن أن البومة ليست نذير خراب, بل مجرد زرقاء يمامة في بحر من العميان مدعي “البصبصة”, وناقلة أخبار, صدقها بؤسها, وسط من يغافلون الصدق بالخناجر المسمومة, لكي لا يرفعوا الرأس من وحل تجاهل, أننا كما قال الشاعر ” أمل دنقل”: وضعنا الجواهر بدل العيون, فأصبحنا لا نرى, ونُشترى!؟. العالم يتداعى, ونحن في ذات المكان منذ ألف عام, وربما في ذلك خير لقلوبنا المتعبة, وربما هو الطريق لمغادرة المكان, وللنزول عن حبل الأنين, وربما هو إجابة على  السؤال المُر, الذي نخاطب به الرب منذ سنين: لماذا وضعت في الرأس كل الوجع, إن كنت تريد للعقل, لا لعصا الخيزران أن ينهانا عن الزلل!؟.

 

إقرأ أيضاً ..  مظاهرة ضد أسماء الإشارة ..

إقرأ أيضاً .. التحايل على الأسئلة الستة!! ..

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك  قناة التيليغرام  تويتر twitter

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى