إضاءات

السوريون ومسامير الحياة .. مازن عجيب ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

عدة أشهر خلت و قد تجبر الى عام إذا ما استفدنا من قانون التقريب في الرياضيات, وهل نستطيع أن ننسى ماتعلمناه في مدارسنا أواخر السبعينات و بداية الثمانينات حيث كان للتربية و التعليم بعض قيمة و معنى.

تلك الشهور الأنفة الذكر حملت معها مجموعة من المسامير, حيث انها لم تكتفي بمسمارٍ واحدٍ لتضعه في نعش الأمل والحلم الذي كان يداعبُ مخيلةَ المواطن السوري, بل جاءت و لديها متسع من الوقت لتصنع نعوشاً على هواها, ولتدفن بكل برودة أعصاب أحلام السوريين, تلك الأحلام التي أضاع في صياغتها ملايين السوريون سنواتٍ وسنوات من الصبر و التعب و الجد, فنسفت كلَّ شيء, وأعادت الجميعَ إلى نقطة الصفر لعلهم يصوغون أحلاماً أخرى بسيناريوهات مختلفة, لكن شريطة ألا تتعدى رغيفَ خبزٍ وبعضَ خضار .

كان بإمكان المواطن قبل تلك الشهور أن يحلم بيوم عطلة مع عائلته مكتمل الشروط و قد يغالي بأحلامه و يفكر بالسفر إلى محافظة أخرى يغطس في مياه بحرها أو يتنسم عبير جبالها أو سهولها أو باديتها, لكنه أصبح اليوم متشظياً وألاف المسامير تقطع الطرق على أحلامه, وهو كما الجندي في أرض المعركة, ضائعاً محاولاً أن يتفادى المساميرً لا الرصاص في حرب لم يعد يعرف فيها من هو العدو ومن هو الصديق, ولا لأي غايةٍ يحارب .

أصبح كلَّ شيء بطعم القهر, ومشكلته الأساسية ليست في ضعفه, فهو صبور وقوي, لكنه كان يخشى ان يسمع صراخ طفلٍ جائعٍ أو طفلةٍ تبكي من مكروه أصابها, وخيار الانسحاب بات خلف ظهره وهو ليس ضمن الخيارات المطروحة حتى .

جلس وحيداً في المساء, يراجع شريط ذكرياته, ترافقه لفافة تبغٍ وكأسُ شاي فاترٍ وهو الذي ما أحبَّ الشاي يوماً, لكن مرارة التبغ في حلقه جعلته يبحث عن شيء ليشربه فلم يجد سوى هذا الكاس المتبقي من شاي العشاء, كان يؤجل فنجان القهوة الى وقت اخر فلربما أطال السهر ,لم يكن يحتاج ليعود بذاكرته كثيراً, هي بضع سنوات حيث كان كلّ شيء أفضل حتى طباع البشر كانت أفضل بكثير.

ذهبَ إلى البحر وتناول وجبة سمك مشوي على الشاطىء مع عائلته, واحتسى ما يحلو له من الشراب ثم عاد الى بيته مرتاحاً بعد ان عرّج بطريقه إلى أحد المحلات وأحضرَ للمنزل كل مايحتاجه, في تلك الليلة سمع كلاماً من زوجته لم يعجبه كانت فحواه انه يهدر المال بطريقةٍ مبالغ فيها حيث كلفه هذا الغذاء تلك الليلة اكثر من أربعة الاف ليرة, وأردفت قائلة ان ليس من الضروري ان نذهب في كل اسبوع الى أحد المطاعم, كما أنّبته بأنه عندما يدخل الى اي بقالة فانه يشتري الكثير من حاجيات المنزل حتى و لو لم تكن ضرورية, وتذكر كيف كان يجيب و ضحك ضحكة لم يعرف لونها.

أشعل سيجارةً أخرى أخذته مع دخانها المتصاعد الى يوم اشترى أول سيارة وكم كان سعيداً يومها, فهو اليوم بلا سيارة, ضحك كثيرا عندما تذكر المبلغ الذي دفعه لامتلاكها لقد اصبح اليوم لايستطيع بذات المبلغ ان يشتري دراجة نارية اذا ما توفر لديه .

كان ساخطاً وتمتلكه جملة من المشاعر المتناقضة, حاول جاهداً الهرب من تلك الذكريات, لكنها وسط كل هذا السكون استطاعت ان تحاصره وتعرض امامه صوراً من الماضي القريب حيث كان ثمّة أملٍ باقٍ وأحلام قد تتحقق .

عاد مكرها بذاكرته الى تلك الفترة التي استطاع بها ان يمتلك منزلاً وكم كانت حسرته كبيرة, فقد تذكر أنه باعه مع بداية الأزمة وبات عاجزاً عن تكرار التجربة فلقد سبقته الحياة .

كان كل شيء يوحي بأن ثمة شيء قد تغير, الحضور .. الغياب .. المبادرة .. الكاريزما .. التأثير .. الجنون .. الجرأة .. الإقدام .. الثقة .. كان يتمنى في تلك اللحظة أن يضرب بعرض الحائط جميع ما كرسته تجربته عن الوعي والنضج وعن المسؤولية, اشتاقت روحه للتحليق كما كانت دوماً,وجنونه الذي تغلب فيه على جميع مشاق حياته باتت تغلفه طبقات من غبار الوعي .

سأل نفسه باستغراب, هل هذه هي الحياة!؟, لكنه لم يتجرأ ان يجيب, ربما لأنه لايريد أن يستسلم .

استجمع ماتبقى من جنون وحضور وقرر ان يخرج في رحلة العودة الى الحياة, نعم هي هكذا, وكان متاكداً أن كل الأيام التي لايكون فيها هو وكما يُحب لاتحسب من أيام حياته, لم يساوره الشك في تلك اللحظة في قدرته على النجاح لأنه كان على يقين ان استمراره في المحاولة دائماً حتى لو لم ينجح هي محض حياة .

تنفس الصعداء وأشعل سيجارةً أخرى, وبدأ يدندن وهو يرتشف قهوته مع فيروز :

/ كنا نراسل بالومى ونقول شرح يطول .. ولما اجتمعنا لحالنا نسينا شو بدنا نقول /

لن نبقى رهائن ذكرياتنا وأسرى أحزاننا وخيباتنا, ولن نفقد الأمل بأن ثمّة قيامةً قادمةً تبعثنا من جديد وتنفض عن قلوبنا هذا الغُبار الثقيل, وسنقتلع تلك المسامير يوماً لتعود إلى عيون من حاولوا دفننا و نحن أحياء .

السوريون أمةٌ لاتموت يا أعداء الإنسانية .. يا محدثي النعمة .. يا عبدة المال والشيطان ..

الشعب السوري سينهض ولن ينكسر ..

*كاتب سياسي – سوريا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى