رأي

الجري للمتاعيس!؟ .. د. نهلة عيسى ..

 

تبدو ردود الفعل الشعبية السورية الباردة على كل ما يجري مؤخراً في بلدهم من نقاشات حادة حول الدولة والدين, والمواطنة والعلمانية, وما يتتالى في منطقتهم من أحداث, وما يعقد من مؤتمرات وقمم تلقب على جري العادة العربية بـ”التاريخية”, تطبيقاً حرفياً للمثل الشعبي المصري القائل: “العروسة للعريس والجري للمتاعيس”!؟

ذلك, لأن السوريين توقفوا منذ سنوات عن بيع رؤوسهم لنشرات الأخبار, التي باعتهم الأوهام على مدار عقد من الوجع, انقطعت ورممت فيها شعرة معاوية آلاف المرات, بزعم أن الصبر نصر, وأن الزمان أداة هذا النصر, فمر الزمان, وصار الصبر المرقع بالسخرية أسلوب حياة, وتاب السوريون عن لعبة المراهنة على الأحصنة, لأنهم ربما اكتشفوا أن الحصان الذي ليس منهم ليس لهم, حتى لو دفعوا ثمنه!؟

هل يبدو ما أقوله سوداوياً؟ دعوني أخبركم: هذا اتهام ليس عارياً من الصحة, رغم أن معظم من يوجهون هذا الاتهام, هم فقط يلامسون سطح ما أقول فيجدونه خشناً, فيخافون أن تنتقل إليهم عدوى وجع, يخفيه السوريون بالعري الفاضح, ليحتفظوا للحزن بكبريائه, ولا أظنهم مضطرون, أو من واجبهم إصدار نشرة عن طقسهم النفسي, وكيف يتلمسون الوقائع من حولهم, توزع إلى “من يهمه الأمر” في الصالونات المكيفة, تملقاً واستجداءً للتأييد الاجتماعي, ليضيفوا حدثاً بائساً آخر إلى أحداث أيامهم المجللة بالستائر الكاتمة للنور!؟

سوداوية؟ ربما!؟ أو الأصح لماذا لا!؟ ونحن نصحو كل يوم لنبدأ جحيمنا الروتيني, لئلا تراق القطرات الأخيرة من ماء الوجه, أن لا أحد رغم أن كل أحد يتكلم باسمنا, يقول لنا: ماذا يجري وإلى متى!؟ ولذلك بات العيش يوماً بيوم وسيلة لستر شقوق تتسع يوماً بعد يوم في نسيج كراماتنا, وهي شقوق ليست مرتبطة كما يظن البعض باللقمة, بل بالإحساس أن غيرنا مسؤول عن مصيرنا!؟

سوداوية ؟ أصبحت (كليشيه) شبيهة بالمقصلة تطال من يرفع الصوت: بأن تشارك الآه في البلاد مع العباد, هو فعل مقاومة, وقرع جرس لئلا يصدأ الجرس, فيشيخ الغد بانتظار أن يكون غداً, ليُسوق الخوف من الحقيقة, وتُبرر الأخطاء, وتنزع مخالب الجرأة, وتقص أجنحة الحلم, وتغطى بحروف بيضاء محايدة, منشاة, خانقة, كياقات قمصان السهرات, حيث الإيهام بالفخامة والأهمية هدف, بغض النظر عن حال المشنوق والمخنوق بها.

سوداوية على صحتها, باتت اتهاماُ مطاطاً, لجداول لا متناهية من المحظورات والحواجز الكلامية والعملية, التي يضاف إليها كل يوم عشرات البنود الجديدة, الممنوع مناقشتها أو التساؤل عنها, والتي تلغي وتجرم كل إشارات التعجب والاستفهام, بل حتى التأوه والأنين, والصدق مع الذات والآخرين والوطن, لدفعنا جميعاً للتساقط عن شجرة الصدق واحداً تلو الآخر بعدما تم قنصنا كالعصافير, لأننا لا نراع من يريدون النوم على حرير بأن الغد يولد كما الجنين “ورزقه معه”!؟

سوداوية!؟ هذا أمر طبيعي, إذ ماذا يفعل أمثالنا, الذين يرون في الصدق سفينة نوح, أو على الأقل أنبوبة أكسجين, تخفف من تلاحق وتهدج أنفاس الوطن, وتخفف من إزرقاق جلده, وتعيد لوجهه بعض النضارة والحيوية, وترسم خطاً فاصلاً بين صواريخ العدو, ومدافع الصديق, وبين الموت زوداُ عن الوطن, والموت كمداُ من تجاره, وأسعاره, ومعلقات التجلد التي تتالى على أسماعنا, دون أن تقول لنا إلى متى وكيف؟

ماذا يفعل أمثالنا ممن في قلوبهم جمر, وعلى ألسنتهم أسئلة برسم الوأد بفعل رصاص بندقية تترصد السؤال والحنجرة, ولا تتورع عن الوقوف بخشوع متقن, في السرادقات لتلقي العزاء بالسؤال والسائلين, لأن موتهم من متطلبات المرحلة!؟ وسط طوفان من التبجح, والمزايدات الوطنية, والقصائد (الشاعرية) التي يتغنى ويتغزل أصحابها بخرابنا وآلامنا, ويجدون تفسيراً(جمالياً) لكل القبح الذي نعيشه, والقيح الذي نتجرعه, والقلق الكابوسي على الوطن ومن فيه!؟

وصدقوني: ضاق الخيار, وكما أسلفت, شعرة “معاوية” انقطعت ألف مرة ومرة, وقصصنا ألسنتنا ألف مرة ومرة, وفي كل مرة نجد أنفسنا أمام سؤال, لا أحد يريد أن يجيب عليه, لأن وقع صوت الجرس ليس جميلاً على أسماع النائمين, ولذلك بتنا غير مهتمين!؟.

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى