العناوين الرئيسيةرأي

الجريمة المعلوماتية بين الواقع والنص القانوني الجديد.. بسام العطري

 

الجريمة المعلوماتية بين الواقع والنص القانوني الجديد.. بسام العطري

 

شكّل موضوع الجريمة الإلكترونية أو المعلوماتية هاجساً لدى كثير من الناس منذ أن كان مجلس الشعب يناقش مشروع القانون وصولاً إلى إقراره انتهاءً بدخوله حيز التنفيذ .
وبرأيي الشخصي فإن اللغط الذي أثاره قانون ” تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية ” هو أمر يرجع إلى كثير من الأسباب والعوامل أهمها عدم الإحاطة بجوانب ذلك القانون من قبل من تصدوا إلى نقده ومناقشته ، واعتياد كثير من الناس على الخوض على مواقع الإنترنت المختلفة في مختلف المواضيع دون دراية أو علم بالمواضيع التي يخوضون فيها فنجدهم قد اعتادوا على إطلاق الأحكام المسبقة ومشاركة المعلومات والأخبار دون التحقق من مصداقيتها ، كما اعتاد بعضهم على الخوض في كرامات الأشخاص وأحياناً أعراضهم بشكل أقرب ما يكون للجلسات النسائية . وعندما جاء القانون لينظم ذلك ويضع الأمور في نصابها قوبل بالرفض .
لذلك وجدتُ أنه من اللازم أن نتوقف قليلاً ببعض الشروحات السريعة والتوضيح والتبسيط المقتضب لبعض النقاط والمواد التي أشكلت على عموم الناس وجرى تهويلها والتخوف والتخويف منها .
في مستهل حديثنا هذا لا بد لنا من تعريف سريع بالجريمة المعلوماتية على النحو الذي عرّف عنها المشرع السوري بأنها : ” سلوك مجرَّم وفقاً لأحكام قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية ، ُيقترف بواسطة وسائل تقانة المعلومات ، ويستهدف المعلومات أو نظم المعلومات ، أو يرتبط بإضافة محتوى رقمي على الشبكة ” .
وكما أنه لا بد لكل جريمة من وسيلة ُتقترف بها ، فكذلك أيضاً الجريمة المعلوماتية لا بد لها من تلك الوسيلة ، وتلك الوسيلة هي إحدى وسائل تقانة المعلومات مثل الحاسوب أو الجهاز الخلوي الذكي .
وكأي جريمة أخرى لا بد لها من مطرح أو محل تقع عليه ، فكذلك أيضاً أمر هذه الجريمة ، فهي إما أن تستهدف المعلومات أو المحتوى الرقمي الموجود على وسائل تقانة المعلومات ، وإما أن تستهدف اختراق أو تعطيل المنظومات المعلوماتية مثل السيرفرات أو الراوترات أو أجهزة الموبايل بقصد تعطيلها أو الإضرار بها أو إخراجها من الخدمة أو إعاقة الوصول إليها ، وأخيراً قد تستهدف إضافة محتوى رقمي يشكل جرماً من الجرائم المعاقب عليها قانوناً مثل الذم والقدح والاحتيال وغير ذلك من الجرائم .
ومن أهم المواضيع التي عالجها وتصدى لها قانون ” تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية ” موضوع حماية الخصوصية الشخصية والفردية ، والخصوصية هي حق الفرد في حماية أسراره الشخصية أو الملاصقة للشخصية أو العائلية أو مراسلاته أو سمعته ونشاطاته على الشبكة ، وهي أحد الحقوق التي كفل دستور الجمهورية العربية السورية حمايتها قانونياً .وقد عاقب القانون بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبالغرامة من خمسمائة ألف ليرة إلى مليون ليرة كل ينشر على الشبكة معلومات تتعلق بالخصوصية دون رضا صاحبها حتى لو كانت صحيحة ، فمثلاً أن يقوم أحدهم بنشر خبر عن شخص آخر على الشبكة فإن هذا الأمر معاقب عليه حتى لو كان الخبر صحيحاً طالما أن النشر قد تم دون رضا أو موافقة ذلك الشخص .
ولعلنا جميعاً كأشخاص نعرف حالات عديدة كانت ضحية لمثل هذه الارتكابات فجاء القانون وحماها بنص قطعي واضح الدلالة .
ومن الأمور الإيجابية التي تصدى لها القانون وعالجها علاجاً ناجعاً تجاوز حدود الدخول المشروع لوسيلة تقانة معلومات أو نظام معلومات أو شبكة عامة أو خاصة ، فمثلاً صاحب متجر لصيانة أجهزة الحواسب تجاوز حدود العطل الفني ودخل للمعلومات المخزنة على الحاسب واطلع عليها ، أو صاحب ورشة صيانة جوالات تجاوز حدود العطل ودخل إلى تطبيق الواتس اب واطلع على المحادثات الشخصية لصاحب الجوال ، أو موظف شركة يسمح له بالاطلاع على بيانات معينة لكنه تجاوز صلاحياته ووصل إلى معلومات لا ُيسمح له بالاطلاع عليها . حيث عاقب القانون بغرامة من ثلاثمائة إلى أربعمائة ألف ليرة كل من دخل إلى نظام معلومات أو موقع الكتروني أو حساب شخصي بشكل مشروع فتجاوز حدود هذا الدخول ، وتشدد العقوبة من حيث الغرامة ويضاف إليها الحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر إذا وقع التجاوز على نظام معلومات أو موقع الكتروني أو حساب شخصي لجهة عامة أو مصرف أو مؤسسة مالية مشتركة أو خاصة . وتزداد العقوبة لتصل إلى السجن من ثلاث إلى خمس سنوات والغرامة من مليونين إلى ثلاثة ملايين ليرة إذا قام الفاعل بنسخ المعلومات أو أفشاها أو استخدمها أو حذفها أو عدلها
ونلاحظ هنا على الحالات التي سقناها كأمثلة أن الدخول ابتدأ بشكل مشروع غير أن الفاعل تجاوز حدود الصلاحيات الممنوحة له . إلا أن هناك حالات يكون فيها الدخول غير مشروع أصلاً كعمليات الدخول التي تتم بطرق الاختراق ويطلق على الذين يقومون بمثل هذه العمليات غير المشروعة ” المخترقين ” ويعتبر الدخول بهذه الطريقة مجرّماً ومعاقب عليه قانوناً مهما كان القصد من هذا الدخول ، وتشدد العقوبة في حال قام الفاعل بنسخ أو تعديل أو حذف البيانات ، كما تشدد أيضاً في حال كان الدخول إلى موقع الكتروني أو حساب شخصي يعود لجهة عامة أو لمصرف أو لمؤسسة مالية مشتركة أو خاصة ، وتبدأ العقوبة بالحبس من شهر إلى ستة أشهر والغرامة من ثلاثمائة إلى أربعمائة ألف ليرة وصولاً للحبس من ثلاث إلى خمس سنوات والغرامة من خمسة ملايين إلى سبعة ملايين ليرة .
ومن أكثر الجرائم المعلوماتية انتشاراً على نطاق واسع حيث عانى منها الكثير من الناس جريمة انتحال الحساب الشخصي حيث يتم استخدام بيانات شخص ما دون رضاه ووضع صورته عليها والبدء بإرسال طلبات الصداقة باسمه دون علمه أو رضاه بهدف الكسب غير المشروع أو الابتزاز أو أي فعل آخر بدون رضا صاحب الحساب الشخصي حيث عاقب القانون على ذلك بالحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر وبالغرامة حتى خمسمائة ألف وصولاً للحبس من سنة حتى ثلاث سنوات والغرامة حتى ثلاثة ملايين ليرة إذا كان الحساب المستخدم يعود لجهة عامة أو مصرف أو مؤسسة مالية مشتركة أو خاصة .
كما تصدى القانون وبحزم واضح إلى ظاهرة عانى منها كثير من الناس وهي ظاهرة استخدام وترويج البرمجيات الخبيثة المصممة لإلحاق الضرر بوسائل تقانة المعلومات كالحواسيب والجوالات الذكية أو نظم المعلومات أو المواقع الإلكترونية أو الشبكات الخاصة والعامة بهدف تخريبها أو سرقة المعلومات حيث عاقب القانون كل يصمم ويروّج البرمجيات الخبيثة بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من ثلاثة إلى خمسة ملايين ليرة ، أما من يستخدم هذه البرمجيات بقصد الإضرار فقد عاقبه القانون بالسجن من خمس إلى سبع سنوات وبالغرامة من ستة ملايين إلى عشرة ملايين ليرة ويشدد الحبس وصولاً لعشر سنوات والغرامة حتى خمسة وعشون مليون ليرة سورية إذا كان استخدام البرمجيات الخبيثة ضد جهة عامة أو مصرف أو مؤسسة مالية مشتركة .
وباستثناء مدروس جداً وملفت للنظر استثنى القانون من هذه العقوبات استخدام البرمجيات الخبيثة لدراستها بغرض البحث العلمي والتطوير بهدف التصدي لها ، كما استثنى البرمجيات الخبيثة التي يصممها الهواة لأغراض التسلية إذا لم يتم الترويج لها بهدف الكسب المالي ، وكذلك البرمجيات التي يتم تصميمها وبيعها للكشف على البرمجيات الخبيثة كبرامج مكافحة الفيروسات .
ومن الجرائم الخطيرة التي عاقب عليها القانون جريمة التجسس الالكتروني أي من يقدم قصداً بوجه غير مشروع على تلقي أو التقاط المعلومات المتداولة على منظومة معلوماتية أو على الشبكة أو التنصت عليها بوسائل معلوماتية عند نقلها من أو إلى أو في منظومة معلوماتية سواء جرى استغلال هذه المعلومات لاحقاً أم لا ، على أن تكون تلك المعلومات غير متاحة أصلاً لاطلاع العامة عليها ، حيث عاقب القانون على ذلك بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبالغرامة من خمسمائة ألف إلى مليون ، وتشدد العقوبة لتصبح السجن من ثلاث إلى خمس سنوات والغرامة من مليونين إلى أربعة ملايين ليرة إذا كانت المعلومات عائدة لجهة أو مصرف أو مؤسسة مالية مشتركة أو خاصة .
وأطلق القانون مصطلحاً جديداً هو ” الاحتيال المعلوماتي ” على الأعمال غير المشروعة من خداع أو تزوير تتم باستخدام خدمة أو أكثر من خدمات الانترنت ، كغرف المحادثة أو البريد الالكتروني بهدف سلب أموال الضحايا أو الاستيلاء عليها ، وعاقب على هذه الأفعال بالسجن من ثلاث إلى خمس سنوات وبالغرامة من ثلاثة ملايين إلى خمسة ملايين ليرة وتشدد العقوبة وصولاً إلى السجن سبع سنوات والغرامة سبعة ملايين ليرة إذا وقع الاحتيال على جهة عامة أو مصرف أو مؤسسة مالية مشتركة أو خاصة .
وهناك جريمة جديدة جاء بها قانون ” تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية ” وهي : جريمة ” إساءة الائتمان المعلوماتي ” ، ومن صور هذه الجريمة إرسال بريد الكتروني ( عبر منظومة معلوماتية مرفق به ملف لتصميم برمجي ما ) إلى شخص معين ، وبالخطأ دخل في حساب شخص آخر وقام الأخير بالاستيلاء عليه والاستفادة منه دون رده إلى صاحبه الأصلي رغم مطالبته له برده أو حذفه ، حيث عاقب القانون على ذلك بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من ثلاثمائة إلى خمسمائة ألف ليرة .
كذلك فقد قام القانون بخطوة تحتسب له – من وجهة نظري – وذلك بتصديه لظاهرة ذميمة ؛ قبيحة ؛ طارئة على مجتمعاتنا ، وهي ظاهرة تسجيل المكالمات الصوتية أو تصوير الأشخاص دون إذن صاحب العلاقة أو رضاه بقصد إثبات واقعة ما أو التهديد بالنشر للابتزاز أو التكسب المادي ، حيث عاقب على ذلك بالحبس من شهر إلى ستة أشهر والغرامة من خمسمائة ألف إلى مليون ليرة ، وشدد العقوبة لتصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنة والغرامة حتى مليوني ليرة إذا وقع الجرم على المكلف بعمل عام أثناء ممارسته لعمله أو بسببه ، ولا تطبق أحكام هذه المادة إذا كان هناك إذناً قضائياً أو كانت الأعراف والتقاليد الاجتماعية تبيح ذلك كالتصوير ضمن الأعراس أو ضمن الشركات والمتاجر للمراقبة .
وقضى القانون بالعقاب على فعلين هما الأكثر ارتكاباً عبر الانترنت وهما جرميّ الذم والقدح ، حيث كان يعاقب عليهما سابقاً بمقتضى قانون العقوبات ، إلا أن المشرّع ارتأى أن يفرد لهما نصان قانونيان خاصان في قانون ” تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية ” ، وعاقب مرتكبهما بالحبس وبالغرامة المالية ، وشدد العقوبة إذا وقع الجرم على المكلف بعمل عام أثناء ممارسته لعمله أو بسببه .
وبعد أن تفشت ظاهرة التلاعب بالصور الثابتة أو التسجيلات الصوتية أو المرئية وتحويرها لتصبح منافية للحشمة أو للآداب العامة كقيام شخص ما بقص جسد شخص آخر بوضع مناف للحشمة والحياء ووضع صورة لرأس شخص عليها ، فقد عمد المشرّع إلى معاقبة من يقوم بذلك ومن يقوم بإرسالها للغير أو يعرضها على صاحبها الأصلي أو على أشخاص آخرين أو يهدد صاحبها الأصلي بنشرها على الشبكة بالحبس من ستة أشهر إلى سنة وبالغرامة من مليون حتى مليوني ليرة مع تشديد العقوبة لتصبح الحبس من سنة إلى سنتين والغرامة من مليونين إلى ثلاثة ملايين ليرة إذا قام الفاعل بنشرها عن طريق الشبكة .
وبالتفاتة موفقة جداً ونبيهة للغاية تقطع دابر التهديد بالصور أو التسجيلات المسيئة عاقب القانون كل من ينشر أو يهدد بالنشر على الشبكة لصور أو محادثات أو فيديو منافية للحشمة أو الحياء تعود لشخص حتى لو حصل عليها برضا هذا الشخص وموافقته حيث عاقب الفاعل بالحبس من سنتين إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من ثلاثة ملايين إلى أربعة ملايين مع تشديد العقوبة لتصل إلى الحبس من خمس إلى سبع سنوات والغرامة من أربع إلى خمسة ملايين ليرة إذا وقع هذا الجرم على قاصر لم يتم الثامنة عشرة من عمره .
ولعل أكثر النصوص التي أثارت لغطاً وسجالاً في الشارع السوري في الآونة الأخيرة هو النص الذي عاقب على جرم النيل من هيبة الدولة حيث عاقب القانون بالسجن من ثلاث إلى خمس سنوات وبالغرامة من خمسة ملايين إلى عشرة ملايين ليرة من قام بإحدى وسائل تقانة المعلومات بنشر أخبار كاذبة على الشبكة من شأنها النيل من هيبة الدولة أو المساس بالوحدة الوطنية ، والقارئ المتمعّن للنص لا بد أن ينتبه إلى اشتراط المشرّع في تلك الأخبار أن تكون كاذبة وغير صحيحة حتى يعاقب عليها الفاعل ، أما في حال كونها صحيحة فلا عقاب طبعاً .
وكذلك تصدى المشرّع لكل من يقوم بإنشاء تطبيق أو صفحة الكترونية أو يبث شائعات عبر الشبكة بقصد إحداث تدني في قيمة الليرة السورية أو قام بحث الناس على اكتناز العملات الأجنبية أو المعادن الثمينة عوضاً عن العملة الوطنية فاعتبر كل ذلك نيلاً من مكانة الدولة المالية وعاقب على هذا الجرم بالسجن من أربع إلى خمس عشرة سنة وبالغرامة من خمسة ملايين إلى عشرة ملايين ليرة .
وخلافاً للمبدأ العام في العقوبة وبغرض التشدد في مكافحة الجرائم المرتكبة بوسائل تقانة المعلومات فقد عاقب القانون حتى على مجرد الشروع في الجنح المنصوص عليها في هذا القانون ، ومثال ذلك المحاولة الفاشلة للدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية التي يتم اكتشافها من قبل برامج الكشف والرصد والتتبع لمحاولات الاختراق غير القانونية أو ما يعرف بالجدار الناري .
ومن أكثر الأفعال التي ُترتكب في الواقع ويظن مرتكبوها أنهم في منأى ومأمن من العقوبة باعتبارهم – من وجهة نظرهم – لم يقوموا بكتابة ما يخالف القانون ، هي أفعال إعادة النشر أو المشاركة أو ال (share) إلا أن المشرّع اعتبر ذلك جرماً إذا كان المنشور الأصلي يتضمن جرماً من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون ، معتبراً أن المشاركة وإعادة النشر تعني بالضرورة تبني نفس أفكار وقناعات الناشر الأصلي مما يستوجب تجريم المشارك وإيقاع العقوبة ذاتها المفروضة على الناشر .
وتبقى كثير من أحكام هذا القانون الجديد بحاجة إلى المزيد من التوسع في الشرح والتوضيح الذي يصعب علينا الإحاطة به في مثل هذه العجالة ، إذ أن كل فقرة من الفقرات التي مررنا عليها سريعاً ، وغيرها مما لم نتطرق إليها تحتاج إلى شرح أوسع وأشمل بحيث يمكن أن نفرد لكل منها مقالة كاملة حتى تتضح الفكرة تماماً ، وربما فعلنا ذلك في قادمات الأيام .
*محام ومستشار قانوني- سوريا
لمتابعتنا على فيسبوك: https://www.facebook.com/alwasatmidlinenews
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى