مسارات واستقطابات جديدة .. هل تُبدَّد الغيوم الداكنة وتُرفرف أعلام الانفراج !؟ .. هني الحمدان

هكذا هي الأيام، تحمل لنا المتغيّرات، الإيجابية والسلبيّة، لا تثبت على نمط، كما السياسة وفنونها، فهي بحالة تجديد وتغيّر كلما اقتضت الحاجة والظروف، فالظرف الاقتصادي يفرض إيقاعاً، والقوة لها مكانتها في عالم السياسة، والتجديد سمة من سمات السياسة.
وهنا أقول: كم هو مطلوب ذاك التجديد؟، ويكون أعم وأشمل عندما يأتي لحاجة ويكون في وقته، فلولا التجديد لانمحت الحياة من العالم وانطفأت جذوتها، وإذا لم يهطل المطر تفنى الكائنات وتموت المحاصيل وتتخرّب الزراعة وتقع الكوارث، وإذا لم يسطع نور جديد تخيّم علينا وعلى الأرض ظلمة الموت.
كما نحن البشر نحتاج إلى حياة جديدة، ودافع جديد يبعث فينا إصلاحاً جديداً، لكن في أحيان كثيرة تلعب السياسة دوراً سيئاً على حياة الشعوب وتضع العراقيل أمام أي تجديد منشود لحياة أفضل، تسبب الويلات والمجاعات وربما الحروب، بسبب غطرسة دول كبرى ذات أهداف توسعية استعمارية، والأخطر من هذا السبب المانع لأي تجديد أو مسرب نهضوي لعيش الشعوب بمستوى جيد، يأتي عامل الطبيعة من كوارث ومن انحباس للأمطار مثلاً، فلا يبقي ربيعاً ولا أملاً يتجدد، يكبح كل شيء، وربما تتحول حياة الشعوب إلى خراب، فكما الأرض محتاجة إلى قدوم الربيع في كل حول، ليأتيها الجديد من النعم، يحتاج البشر أيضاً إلى حياة جديدة ودافع جديد يبعد ظلال الغمّ والحزن والفاقة.
سورية ليست بمنأى عن تغيرات السياسة وماسببته من ثقل على كل مرافقها، جراء الحرب والحصار والسياسات المضللة لدى بعض الدول، وهي أيضاً تعاني من آثار تغيرات مناخية عاصفة منذ سنوات، غيّرت وقلبت معادلاتها الإنتاجية، وأدت إلى ارتفاع في قيم فاتورتها الغذائية من خلال استيرادها لمحاصيل غذائية، كانت بالأمس القريب تصدّرها، فاليوم لا تحقيق كاملاً للأمن الغذائي السوري، بل بات مهدداً، وليس النقص في محاصيل البصل والقمح بل سيتعداه -حسب تقارير وزارة الزراعة السورية -إلى محاصيل الفول والحمص والعدس وكل محصول تتم زراعته بعلاً، وحتى الزراعات المروية، وفي مقدمتها القمح، باتت في دائرة الخطر الشديد لجملة من الأسباب، يأتي في مقدمتها الجفاف وانحباس الأمطار، وخاصة خلال الموسم الحالي، فكل زراعتها البعلية خرجت من معادلة الإنتاج الزراعي، وهذا ينذر بنواقص لسلع ومحاصيل عدة ستظهر للسطح مع مقبل الأيام، بمعنى تأثر مستوى الأمن الغذائي بشكل كبير، وتالياً ارتفاع وأعباء إضافية في قيم فاتورة الاستيراد الخارجية، وهذا يلزم لسدّ نواقصه فعل الكثير من الخطوات، وربما يستدعي فتح قنوات جديدة مع دول أخرى لعقد اتفاقات لتبادلات تجارية زراعية .
كل شيء تغيّر ويتغير، وهذا منطق الأشياء، كما في علم السياسة، وفي ظل حسابات الدول برزت تأثيرات محتملة في دينامية المنطقة العربية، وخاصة دول الشرق الأوسط، وبدأنا نشهد أن دولاً وأحلافاً إقليمية أخذت ترتّب أوراقها على غير المألوف وكنوع من التجديد في سياساتها، ما ينعكس خيراً ونعيماً على شعوبها، وشهدت حوارات ومناقشات لخفض التوترات الناشئة بينها منذ سنوات خلت، وإيجاد مسارات واستقطابات جديدة.
والتقارب الإيراني – السعودي الأخير جاء ضمن الانفتاح الجديد للسياسة، ومن حسّ إدارة قيادة البلدين بأهمية بلورة صيغ تفاهمية تحقق التقارب والاستفادة للشعبين أولاً، وانعكاس ذلك على دول المنطقة ثانياً، وهذا يفرض إيقاعاً جديداً لتعاملات بعض الدول الكبرى، لأن دول المنطقة أخذت ناصية التقارب وتوحيد رؤاها لما يصب في تعزيز التعاون والعمل ويذيب كل الإشكالات ويصهر أي شوائب، كما يفتح بوابات جديدة ذات مرامٍ وأبعاد ليست سياسية فحسب، بل اقتصادية، وتحل كل المسائل والمسببات العالقة جراء بقاء أجواء التوترات الناشئة قائمة.
دول الخليج وعلى رأسها السعودية، دول لا شك لها مكانتها، لما تشكله من ثقل ورقم صعب في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك الدولة الجارة إيران، وتبديد الأجواء المشحونة بينهما سيبدد كل أدخنة التوتر الذي كانت تعززه أمريكا، والتقارب اليوم شكّل انتكاسة حقيقية لأطماع ومرامي أمريكا وشوكتها إسرائيل ..!.
فأي اتفاقات بين دول المنطقة هو ربيع جديد وأفق جديد، ودول كدول الخليج تشكل أسساً اقتصادية مهمة، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل على مستوى العالم قاطبة، دول لها ارتباط بالبيئة ومتغيرات المناخ وأنظمتها الحديثة التي تركز على المواءمة بين تحقيق احتياجات الشعوب والمحافظة على المرتكزات الأساسية لاقتصادها ونهجها بشكل عام.
مؤشرات إيجابية في عالم السياسة تنبىء بانفراجات قريبة على الساحة الاقتصادية، وهي لاشك ستنهي تلاطمات أمواج الخليج، وسيسود السلام وترفرف أعلام الخير وتظهر زهور الربيع في دول المنطقة بعد الغيوم الداكنة، التي لم تجر إلا الوجع والآلام.
إقرأ أيضاً .. الحرب الروسية-الأوكرانية أشعلت أسواق العالم وأفرغت جيوب الشعوب ..
إقرأ أيضاً .. اقتصاد سورية .. فجوات تتسع بين الواقع والطموحات ومطارح خاملة بلا إنتاجية! ..
*إعلامي – رئيس تحرير صحيفة تشرين السورية سابقاً
المقال يعبر عن رأي الكاتب



