العناوين الرئيسيةنساء الوسط

إيميلي نوتومب: غزارة في الإنتاج وتجدُّد في المواضيع .. سهيلة علي إسماعيل ..

 

بدأت الكاتبة البلجيكية / إيميلي نوتومب AMELIE NOTHOMB /، التي تكتب بالفرنسية، تجذب القرَّاء منذ صدور روايتها الأولى ” نظافة القاتل” عام 1992 وهي في سن السادسة والعشرين، ثم أصبحت معروفة بغزارة إنتاجها فكل عام يصدر لها كتاب تقريباً أو مسرحية حتى وصل عدد أعمالها الأدبية إلى 30 عملاً, فحظيت بشهرة واسعة ليس بسبب العدد الكبير لأعمالها وإنما بفضل مواضيعها المثيرة والمتجددة وكلماتها الصادقة والحساسة والعميقة، وكانت آخر رواية صدرت لها العام الماضي بعنوان” الدم الأول “، وهي عن حياة والدها الديبلوماسي البلجيكي باتريك نوتومب الذي تنقّل خلال فترة عمله بين عدة دول مثل بنغلادش والصين واليابان ونيويورك ما ساهم بإغناء مخيلة ابنته وجعلها تتربع على عرش عالم الأدب.

كتبت عنها صحيفة /لو بوان – le point/ الفرنسية: ” تخوض إيميلي نوتومب عملية بحث عن صوت فولتيري خاص بها .. صوت خفيف, غير قابل للتّلف ومتحرك دائماً, حواراتها نقية, سريعة, حادّة, صافية, غير قابلة للصدأ, مصقولة, لا يمكن التنبؤ بها”.

ينطبق ما كتبته /لو بوان/ على رواية نوتومب الصادرة عام 2017 بعنوان “افتح قلبك”، وهو  بيت شعر للشاعر الفرنسي ألفريد دو موسيه: “افتح قلبك , هناك حيث تكمن العبقرية”، فتغوص نوتومب في أعماق النفس البشرية بتناولها لموضوع الغيرة القاتلة من خلال قصة الفتاة الجميلة ماري حين تصبح أماً لطفلة تضاهيها في الجمال في سن العشرين بعد علاقة حب وزواج سريع من أوليفييه، لتبدأ غيرة الأم من ابنتها دَيان ليس لأنها حوّلت أنظار المحيطين بهما من أهل وأصدقاء بل لأنها حرمتها حياة اللهو والسهر مع أصدقائها وأصبحت القصة الآن قصة الابنة وليست قصة الأم.

تتلقى الطفلة مشاعر أمها الباردة تجاهها بحزن يدل على ذكاء خارق تعبر عنه الطفلة بتساؤلات وحوارات داخلية لا تنتهي, ويزداد حزنها عندما تعرف أن غيرة أمها منها ليست لأنها بنت بدليل حالتها حين أنجبت الصبي نيكولا والبنت سيليا. حيث كان تعلقها بسيليا تعلقاُ مرضياً.

في عمر السادسة تتعرض دَيان لحادث سير وفي المشفى يسألها الطبيب المعالج سؤالاً محدداً: هل ترغبين بالعيش أو بالموت؟، بعد أن سمع والدها يرجوها لتنتبه في المرات القادمة, عندها تقرر الفتاة الصغيرة أن تدرس الطب في المستقبل بسبب إعجابها بذكاء الطبيب.

وهكذا، تتوالى الأحداث لتترك دَيان بيت العائلة في سن الخامسة عشر، وتذهب للعيش في بيت أهل أمها, هناك تتغير أحوالها وتجد مشاعر الحب الصادقة والاهتمام المُضاعف، وقد أظهرت تميزاً في المدرسة أهَّلها لدخول الجامعة ودراسة الطب، وبعد الجامعة قررت أن تختص بأمراض القلب نتيجة تأثرها بشعر آلفريد دو موسيه.

في كلية الطب أعجبت دَيان بإحدى المُحاضِرات وهي الدكتورة أوليفيا التي لم تكن قد حصلت على لقب أستاذة بعد؛ فتقف دَيان معها وتساعدها في نشر الأبحاث المطلوبة للحصول على لقب أستاذة، لكن المفاجأة التي اكتشفتها دَيان عند زيارتها للدكتورة أوليفيا المتزوجة من عالمٍ في الرياضيات أذهلتها، فأوليفيا لديها ابنة تدعى ميريل، وهي تعاملها بإهمال وبرودة شبيهة بمعاملة والدتها ماري لها، ما جعل ميريل تتراجع في دروسها, ما تسبب بالإزعاج كثيراً لدَيان وجعلها تقارن بين طفولتها وطفولة ميريل, عند ذلك تقرر الوقوف إلى جانب الفتاة الصغيرة لتعوضها عن حنان ولامبالاة والدتها, فتتحسن الفتاة في المدرسة وتحصل على علامات ممتازة، بعد فترة تنقطع العلاقة بين ديان والدكتورة أوليفيا لأنها استخدمت مقولتها عن سبب اختيارها لاختصاص أمراض القلب واختيارها الذهاب إلى العمل في المشفى بدل الجامعة، فتحزن دَيان لأنه ليس بوسعها بعد الآن رؤية ميريل والوقوف إلى جانبها.

وهكذا، تتعدد أشكال الغيرة, فالمحاضِرة أوليفيا تغار من دَيان لنجاحها وجمالها وربما لاختيارها العناية بمرضى القلب بدل إعطاء المحاضرات لطلاب أوليفيا حين كانت مشغولة بتحضير أطروحتها  ولعنايتها بابنتها, فتتذكر دَيان كلام جدتها :”لكي تشيِّد مملكتها, لا تحتاج الغيرة إلى دافع” ص(132) .

وهنا يولد شعوران متناقضان في نفس دَيان, الحب للصغيرة ميريل والكره لأمها أوليفيا, كما تكتشف دَيان أن أوليفيا تحتقر جميع مَن حولها, وهي لم تكن بحاجة لأن تطيع المبدأ الرائع للكاتب الفرنسي فرانسوا رينيه شاتوبريان: “كن مقتصداً باحتقارك فهناك الكثير من المحتاجين” ص(156)، واعتبرت أنها تطفح بالاحتقار وبوسعها أن  توزعه بسخاء وسيبقى لها الكثير منه.

طبعاً, حين تكتشف دَيان التناقض الفظيع في شخصية أوليفيا – فهي تُظهر للآخرين شيئاً وفي سريرتها شيء مختلف تماماً-  تقطع علاقتها بها، وبعد سبع سنوات، يأتي شرطيان إلى منزل دَيان ليسألاها بخصوص جريمة قتل الأستاذة أوليفيا مطعونةً بعشرين طعنة سكين في القلب، وهنا تُذكرنا نوتومب بقصص أجاثا كريستي فهي لم تذكر اسم القاتل صراحةً، وعلى القارئ أن يكتشف هويته من خلال تسلسل الأحداث, مستبعدين أن تكون دَيان لأنها في ليلة ارتكاب الجريمة كانت تحتفل بعيد ميلادها في منزل صديقتها المقربة إليزابيت، لكنها تعلق على الموضوع قائلةً موحيةً لنا بأن ميريل هي من ارتكبت جريمة القتل: “حين نقتل أحداً ما بعشرين طعنة سكين في القلب، فإن الأمر يتعلق بجريمة عاطفية، كانت تعرف بالتأكيد من نذر لها حباً مُحبطاً منذ ما يقارب العشرين سنة ” ص( 162).

وهكذا، تجعل نوتومب القارئ بعد إنهاء الرواية يتعمق في أصول المشاعر الإنسانية السلبية وانعكاسها على النفس البشرية حيث قد تصبح قاتلةً مع الزمن ليستحضر نقيضها ويتحلى بها.

 

*كاتبة ومترجمة من سوريا

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى