رأي

أحمد محمد السح – المدرسة اليوم .. المدرسة بالأمس

|| Midline-news ||  – الوسط   ..

 

نتذكّر جيداً مدارسنا مع كلّ شتاء ، المدارس ذات الجدران الرمادية ، وطاولة الأستاذ الرخامية أو الخشبية ، واللوح الأخضر الذي تمايز عن السبورة السوداء التي استقى منها أهلنا العلم والمعرفة . الطبشور الأبيض وغباره الكلسي الذي كان يملأ رئاتنا وثيابنا وشعرنا ، ويجعل كفّي المعلم بيضاوين مكرمةً للعطاء وتعبيراً عن الامتنان بقدر تعبه وأكثر .

كل تلك الأيام تجعلنا نذكر وبشكل واضح محتوى ما عرفنا من طفولةٍ بريئةٍ وبائسة ، ولكنها كانت مقبولةً رغم كل ذلك ، في الشتاء كانت المدفأة المازوت التي تصل مخصصاتها يومياً بشكلٍ مقنّن تزين مكانها في الصفّ ، المقاعد الأولى هي من تنعم بدفئها ، أما البقية فحرارة دمهم كأطفال ، وازدحام الصف المدرسي يفي بالغرض ليمنحهم الدفء الذي يحتاجون .

المدرسةُ فقيرة ، والمقاعد متسخةٌ دائماً ، والجدران عابسةٌ باستمرار – صفراءَ خشنةٌ من الخارج ورماديةً من الداخل ، إنها سجوننا الجميلة ، سجوننا التي كنا نؤمها طائعين ، ونحن كنا فقراء ، فمهما بلغ فحش الغنى الذي يملكه تلميذٌ أو ربما عشرة تلاميذ لا يصل أكثر من سندويشةٍ من جبن ” المثلثات ” الطرية ، لكن الجميع كان فقيراً ، والجميع كان غير مقتنعٍ بفقره ، حتى المدرّسون الفقراء كانوا يقتنعون أنهم قادرين على الحكم ، قادرين على تمليك المقعد الأول ، وإقصاء المشاغبين عنه.

في هذا الجوّ التعليمي الجميل تعلمنا ، تعلّمنا كل شيء ، العلم والسلوك والتربية ، عرفنا بعضنا وتقاسمنا ذكرياتٍ جميلةً باتت نادراً ما تخطر في بالنا دون محرّك خاص ، لكنها حاضرةٌ بشكل بديهي مع كلِّ خبرٍ عن المدراس والتعليم ، وحاضرةٌ أيضاً مع تحولنا إلى آباء ، ودخول أبنائنا إلى المدارس .

تطلعنا الجرائد ووسائل التواصل والتقنياتُ اليوم على صيحاتٍ تعليميةٍ جديدة في دول العالم المتحضّر ، الأبنية المدرسية تغيرت منذ عقود ، صارت أماكن للانشراح والتعليم ، الوقت التعليمي تغير ، نظريات التربية والتعليم تغيرت ، الطفل والبالغ والمراهق ، الأنثى والذكر ، الطفل بمفهومه الحديث أصبح طفلاً مختلفاً عن طفل الأيام السابقة ، فحالة الإجهاد الجسدي والعنف المفتعل لتصنع من الطفل إنسان المستقبل الصابر المتحمّل انتهت إلى غير رجعة ، وأصبحت قوة الاحتمال عند الطفل هي قوة الاكتشاف وقوة الحب ، وقوة النشاط .

كل شيءٍ تغيّر، وبات المطلعون على هذه التغيرات يتلقونها بحالة من التأثر والتحسر ، وحالة من الأمل العقيم أن تعود لهم الأيام الأولى في التعليم لا أن تتطور مدارسهم إلى حيث ما لم يكونوا يوماً يتوقعون ، الأطفال أنفسهم ، صاروا يقارنون مدراسهم وكتبهم ودفاترهم بما لدى إخوتهم في دولٍ أخرى ، لقد تخلصت كثير من دول العالم من الكراس والدفتر والوظيفة ، وأصبحت المعلومة تنمويةً تفاعليةً أكثر ، الصورة والحاسبُ اللوحي ، والأغنية والموسيقى هي الحامل الأول للمعرفة ، بعد أن تقاعد الدفترُ وشاخ ، وصار مكاناً جميلاً للحنين في أصقاع الأرض المتقدمة ، بينما لازال هذا الدفتر يذهب إلى المدرسة في السابعة والنصف بحقيبة مدرسيةٍ صارت باهظةً اليوم وصارت بحاجة إلى من يدفع ثمنها وإلا ظل الدفتر عرياناً في أيدي الصغار .

تبنى المدارس عادة بجدرانٍ صلبة ، بأسوارٍ عالية وأبوابٍ حديدية ، هذه القوة منحتها القدرة على الجذب في الحرب ، لم يعد العلم والتعليم هو ما يجذب المدراس ، بل إن السلاح صار يدخل إلى الصفوف ويحتل المقاعد ، في الحرب كانت ” الطلاقيات ” تفتح في الجدران ، لتستخدم المدرسة مقراتٍ عسكرية ، وقتالية كونها كانت المبنى الأعلى في بعض القرى والأكثر إشرافاً على الأرض المحيطة .

ظهرت تقارير هذا العالم توضح أن ما يزيد عن عشرة آلاف مدرسة أصبحت خارج الخدمة ، وهذا الخروج قد يكون العامل الأساس فيه هو دمار البناء بشكل كامل أوجزئي نظراً للأعمال القتالية الدائرة ، وقد يكون الحفاظ على البناء قد تمّ ولكن استخدامه صار لأغراض غير عسكرية ، فكثيرة هي الحالات التي أصبح فيهابناء المدرسة مستودع متعدد الاستعمالات للصواريخ و الأسلحة الثقيلة والخفيفة ، وقد تكون مستودعات للمواد الغذائية واللوجستية التي يستعملها المقاتلون في مناطقهم ، كل هذا جعل من المدرسة تنحرف عن أداء الدور الذي بنيت لأجله ومع انحرافها بات مصير التلاميذ من مختلف الأعمار .

حتى إن المدارس الخاصة في مختلف المناطق أصبحت غير ممكنة الاستعمال نظراً لتهافت التلاميذ عليها ، كما أنها في كثير من المناطق فرض الطرف الأقوى شروطه التعليمية عليها ، من حيث المنهاج ولغة التعليم ، والرسوم والأتاوات وسواها الكثير ، وهذه إحدى العوامل التي تسبّبت بحدوث موجات تسرّب مدرسي كبيرة للتلاميذ بالرغم من من حدوث بعض حالات الاستقرار المؤقت بعد التهجير .

في الحقيقة لم تكن القوانين الرادعة للتسرّب المدرسي شديدة التطبيق أو صارمة العقوبات ، بل العكس يمكن أن يعتبر صحيحاً ، ففي ذروة نجاحات وزارة التربية في زيادة عدد المدارس والتعاون الأمثل مع اليونسكو تم تخصيص ما يسمى المدارس المنزلقة التي تتحرك مع حركة النزوح في أماكن تجمعات البدو الرحل ، وكان تعليمهم يكون خلال فترة استقرارهم الرعوية ، وبعدها يغادرون ، وبمعنى أدق يتسرب أبناؤهم خارج المدارس ،مكتفين بما تعلموه ، ولم تطل العقوبات أباً أو أماً أو ولي أمر يوماً بسبب ترك ولده للمدرسة في أقصى حالات تشديد القانون ،  فكيف الحال الآن ؟!  في كل المدن السورية ترى عمالة الأطفال بشديد الوضوح ، وتختلف هذه العمالة بقسوتها وبشاعتها بدرجات ، من بيع المناديل الورقية على نواصي الشوارع وصولاً إلى بيع السلاح ، وكثيراً تصل إلى حمل السلاح والاشتراك في القتال .

ولقد طالعتنا تقارير صحفية وفيديوهات تم توثيقها ، أو توثيق بعضها بصورِ أطفالٍ دون الثامنة عشر ، قتلى جراء اشتراكهم في الحرب ، وحدثت المتاجرات الإعلامية العديدة بين أطراف القتال لاستغلال الحالة الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية ، لكن القتال لازال مستمراً وترك الأطفال لمدارسهم هي الخطوة الأولى التي يفكّرون بها مع كل طلقة رصاص تسمع في جوار بيوتهم وقراهم ، وكل محاولات إلصاق الأطفال بمدارسهم تصطدم بشكل يومي بمطبات الحرب وتغيراتها وتناقضات مساراتها .

لقد اتسعت الهوة التعليمية كثيراً ، وصار في مستقبل هذه البلاد أطفالٌ يتعلمون في مدارس استوكهولم ، وبرلين .. وأطفال يتابعون تعليمهم في المدارس الحكومية بما يشابه الأسلوب التقليدي قبل الحرب مع انحرافاتٍ هامةٍ حدثت في عدد الطلاب ضمن الفصل الدراسي الواحد ونقص الإمكانات المتاحة للتعليم الناجح المتواصل ، كما أن هناك أطفالاً يتعلمون في مدارس دول الجوار ، أو مدارس مناطقهم المحلية كمثال عليه نجدها في مناطق القامشلي وإدلب ، وثمة أطفال كثر يتعلمون في ظلال التنظيمات الإرهابية بمناهج لا تخضع لرقيب إنساني ، وهي لا تعلّم سوى الموت وأدواته كما في الرقة وريف دير الزور ، وثمة أطفال في مخيمات النزوح يتعلمون لماماً على قدر استطاعة الدول المضيفة أو تدخلات المنظمات الإنسانية ومنظمات هيئة الأمم المتحدة ، ولكن خلال سنوات الحرب التي مضت هناك أطفالٌ لا يتعلمون أبداً ، وهم خسروا إمكاناتهم التعليمية والمعرفية ، أو لم يكتسبوها على الإطلاق .

هذه المشارب المتضاربة لن تصنع جيلاً يمكنه أن يجد جسراً للاتصال مع بعضه البعض ، ليلتقي على مشروعٍ إنسانيٍ واحد يخدم وطنه ويمتد إلى إنسانيته جمعاء ، وهو الخلل الذي لا أعرف هل نجحت الدول التي عرفت الحروب في تداركه بشكل واضح ؟ ، هل أبناء تلك البلدان التي تلقت العلم في ظلال القصف والموت ، وعرفت ذات التناقضات التعليمية مهما اختلفت المسميات ، هل استطاعت أن تلتقي على منهجٍ تنمويٍ واحد ، وهل استطاع شبابها الذين كانوا أطفالاً أن يتعرفوا إلى بعضهم ؟ ، أم أنهم ظلوا يحنون إلى الحليب المعرفي الأول الذي رضعوه مجبرين دون أن يتقنوا مهنة القفز عن الكنتونات التي فصّلتها الحروب ، وخدمتها المدارس .

*شاعر من سوريا
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى